New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

رمزية الحمام في شعر محمود درويش - د.عبد الرحيم الهبيل

 

09/01/2014 22:54:00

ملخص بحث بعنوان رمزية الحمام في شعر محمود درويش
شارك فيه الباحث د. عبد الرحيم الهبيل في مؤتمر محمود درويش شاعر فلسطين –القضية والإنسان – بجامعة الأزهر- بغزة
في هذا البحث قمت بدراسة تحليلية لرمزية الحمام في شعر محمود درويش , سعيا للوقوف على طبيعة الرمز و مراحل تشكله وتحولاته , والتعرف على دلالاته وأبعاده الفنية والجمالية , وعلاقته بالصورة والإيقاع والمظاهر الحضارية والأحداث السياسية .
وقد كان من أهداف البحث أيضا التعرف على مراحل تطور التجربة الشعرية عند محمود درويش , والمؤثرات الفكرية والفنية التي عملت على بلورة التشكيل الجمالي في أشعاره.
كما أن من غايات البحث توجيه الباحثين إلى دراسة الرمز في شعر محمود درويش على نحو كلي وشمولي .
و من أجل تحقيق هذه الأهداف حاولت تتبع الرمز في شعر محمود درويش وفق التصاعد الزمني لأعماله , دون أن أغفل توضيح مكانة الحمام في الشعر العربي للتعرف على مدى تأثر محمود درويش بالإبداع العربي وتفرده في بناء هذا الرمز . فالحمام في الشعر العربي ظل أنينا لسجين أو حزين يستثير العواطف بلا فعل أو إقدام , وذلك لكونه فعلا فرديا , أو موقفا ذاتيا , أو إحساسا لحظيا ,أما الحمام في شعر محمود درويش فكان فعلا ناضجا في إطار ثوري عاشق للحرية والسلام , ولذلك تحول الحمام على يديه إلى رمز له أبعاده الثقافية والعالمية والجمالية.
قيمة رمز الحمام في شعر محمود درويش لم تكن لارتباط رمزه بالتراث الشعبي و الحضارات والذكريات , وأماكن العبادة , وقصص السلاطين والحكام , وذاكرة الشعر العربي , والإبداع الشعري المعاصر فحسب , وإنما في صورته الشعرية التي وصلت من ناحية إلى التجريد والمثالية , ومن ناحية أخرى إلى تجسيد ما يختلج في نفسه وما يحلم به, وما يعايشه من واقع , سواء على مستوى الوطن أو الحبيبة , أو الأمل والحلم , أو اللغة والجسد , أو الروح والمعنى , لذلك أصبح رمز الحمام في شعره تجريدا للواقع وتجسيدا للذاتي , وحينها توحد الشاعر مع الحمام والتحم به فكلاهما يعبر عن الآخر , ويصور ما يتحرك خلف حواسه , على نحو يفسح للمتلقي حرية التأويل .
وقد أظهرت الدراسة أن مراحل تكوين الرمز وبنائه تتمثل في :
أولا :مرحلة التأسيس والتكوين.
وتظهر هذه المرحلة أن الرمز بزغ في قصائده الأولى , كأي من رموزه التي تبدأ بلا وهج إلا بما تكتسبه الكلمة من علاقات محدودة بالنص الذي ترد فيه , فظهرت كلمة الحمام في بداية الأمر قرينة الهديل , وحتى يكون للحمام بعدا جماليا بدأ محمود درويش يعبد الطريق لهذا اللفظ بتشكيل البعد الإيقاعي وشحذ ه بالبعد الثقافي العربي والإنساني , وتعميق دلالاته بموجة من التناقضات .
من أي عام ..
أمشي بلا لون , فلا أصحو ولا أغفو
وأبحث عن كلام ؟
أتسلق الأشجار أحيانا
وأحيانا أجدف في الرغام

وفي هذه المرحلة استعان الشاعر بطبائع الألفة والمحبة عند الحمام ,وعلى الرغم من أن الشاعر قد تمنى أن يتخلص من هذه الطبائع التي لا تلقى قبولا من الطرف الآخر, فقد وجدناه يلتحم بالحمام ويعيش معه بانسجام , حتى غدا الشاعر عاشقا لألوان الحمام والحرية والعودة .
بحر لمنتصف النهار
بحر لرايات الحمام , لظلنا , لسلاحنا الفردي
بحر , للزمان المستعار

ويقول:
ما شأني أنا الضائع ما بين سماء وحجر
بفضاء
لم أطير فيه أسراب حمامي

ثانيا : مرحلة النمو والاكتمال:
وفي هذه المرحلة تكتمل أبعاد الرمز في شعر محمود درويش وبخاصة على أعتاب قصيدته ( يطير الحمام ) حيث تمتزج الثنائيات المتعددة , وتتوهج المتناقضات , وتشتعل الروح برغبة الجسد ,وتتوحد الذات بكل عناصر الطبيعة, ويرتبط الرمز بلازمة إيقاعية (يطير الحمام يحط الحمام ) تزيد في فاعليته وإيحائه . فرمز الحمام في هذه القصيدة يفتح أفق الجدل الدائم بين هذه القصيدة وغيرها من القصائد ,لأن قصيدة (يطير الحمام ) بمثابة الذروة لهذا الرمز ,لذلك وجدت ثمة ارتداد دائم لهذه القصيدة في كل دواوينه الأخيرة , فكأن ألفاظ القصيدة وأفكارها كانت بذورا لدواوينه الشعرية اللاحقة, وقد تميزت هذه المرحلة أيضا ب :
أ‌- اللجوء إلى الاستعارات حيث تنصهر الذوات في ذات واحدة .
لأني أحبك " يجرحني الماء "
والطرقات إلى البحر تجرحني
والفراشة تجرحني
ب‌- الإيغال في عالم الحلم.
وندخل في الحلم , لكنه يتباطأ كي لا نراه
يا حبيبي, أناديك طيلة نومي , أخاف انتباه الكلام
ت‌- التماهي
أنا وحبيبي صوتان في شفة واحدة
وقال الشاعر:
فكم مرة تستطيعين أن تضعي في مناقير هذا الحمام
عناوين روحي
وأن تختفي كالمدى في السفوح
لأدرك أنك بابل , مصر , وشام

ث‌- الجمع بين الأضداد , الحب والخوف والصوت والصمت .
أموت ليجلس فوق يديك الكلام
ج‌- بروز الحكاية الرمزية.
ثالثا : مرحلة التحول والاغتراب:
وفي هذه المرحلة يصير الحمام غريبا بعد تقطع أسرابه , وتناثر جماعاته بحثا عن البقاء, وهروبا من الفناء,فيوغل في السفوح والغربة ليصير يماما,.ومن مميزات هذه المرحلة على مستوى البناء الرمزي :
أ‌- الاتكاء على اللاشعور الجماعي من أجل إيجاد نوافذ تعيد الثقة بالنفس,وتعمل على خلق حالة من التوازن .
ب‌- وتراسل الحواس ) لتكثيف كل صور الحمام البصرية والسمعية.
تطل على بقع الغيم في الساحة الخالية
تطل على ظلها فوق ريش الهديل
ت‌- والتركيز على مفهوم العودة بأبعادها المختلفة المعنوية والحسية فما انفك عن معانيه الأولى,ولا غادر أجمل البلاد في حياته الثقافية حيث أقام كثيرا في ربوع الأندلس فبرز الحس التاريخي في قصائده .
لم يبق مني
غير مخطوطة لابن رشد , وطوق الحمامة , والترجمات
كنت أجلس فوق الرصيف على ساحة الأقحوانة
وأعد الحمامات : واحدة , اثنتين , ثلاثين ...
ث‌- وفي هذه المرحلة تشابه هديل اليمام مع هديل الحمام لدلالات فنية ووطنية توحي بثبات الشعور نحو الوطن ,فالإيقاع أصبح صدى لهدير الصمت أو القتل أو المنفى .
كُلَّما أصغيتُ للحجرِ استمعتُ إلى
هديل يَمَامَةٍ بيضاءَ
تشهَق بي:
أَخي! أنا أُخْتُكَ الصُّغْرى,
فأَذرف باسمها دَمْعَ الكلامِ

***** وهكذا فقد غرد شاعرنا بين أسراب الحمام آملا بالسلم تارة , وواهبا حلمه للأجيال من بعده تارة أخرى , فهو لم يقع فريسة للأحزان ,بل ظل يلجأ في رمزه" للتعويض بالتصعيد" ليجد عالما جميلا لطالما كان يحلم به , لقد كان محمود درويش يؤمن بأن هذا الكون كله قد بني على الحب والوفاء والسلام ,لهذا ظل السلام السمة الأبرز لهذا الرمز ,كما كان رمزا للتقدم الحضاري الإنساني , لقد وجد شاعرنا في طبائع الحمام في إصراره وإقدامه وعزيمته ووفائه وشوقه ,وألفته للمسكن سبيلا للتعبير عن الذات الفلسطينية بأجمل صورة .
وبعد فلم يكن التماهي بين محمود درويش والحمام في الشعر فقط حيث اتخذ من الإيقاع سبيلا للمعاني والدلالات انسجاما مع هديل الحمام , وإنما في شئونه الحياتية أيضا, حيث لم يأنس بالزوجة أو الولد , وفي آخر حياته كان وفيا لليمام , فهو في حله وترحاله , , ومع أصدقائه فقد قل رفاقه ,و عشق حياة المنفى, بل انه لم يتخيل حياة سوى المنفى يقول في الجدارية:

ميم المغامر والمعد المستعد لموته
الموعود منفيا , مريض المشتهى

ويختم قصيدة (من أنا دون منفى ) بقوله : (73)

وماذا سنفعل ؟
ماذا
سنفعل
من
دون
منفى


أما نتائج البحث:
• الرمز في شعر محمود درويش متعدد الأطوار ,وكثير الصور , وعميق التأثير, ويحتاج إلى تفصيلات كثيرة لإدراك أبعاده .كما أنه بمثابة أداة معرفية لإدانة الهزائم التي تعاني منها الأمة في هذا العصر.
• قراءة الرمز في شعر محمود درويش تضيء درب الأطوار الفنية في شعره , كما تهب الباحثين صورا جلية من حياة الشاعر النفسية والاجتماعية , وتكشف الأستار عن ثقافات توارت عنا بفعل عمق الزمان وبعد المكان .
• لجأ محمود درويش في بناء رمزه إلى تقنيات أسلوبية تراثية وحداثية من أهمها , التكرار والتناص , فقد عمد إلى تكرار بعض الألفاظ في قصائده كالكلام والغمام والرخام والظلام لتعميق الدلالة وترسيخ أبعاد الرمز , كما أنه اعتمد على التناص في إثراء القصيدة ومن ثم الشعر العربي بل الإنساني فحقق بذلك وحدة التاريخ الثقافي الإنساني .
• ساعدت الصورة في بناء الرمز ,وعملت على تجلي جماليات المكان. , فالشاعر ظل يصارع على ذاكرة المكان , إيمانا منه بأن فلسطين هي مهد الحضارات والديانات ورغبة منه باكتمال الثقافة العربية على يديه .
• لم يلجأ الشاعر في بناء رمز الحمام إلى استدعاء الأشخاص , ولكن إلى استدعاء الأماكن والوعي الإنساني بأبعاد هذا الرمز ,وذلك لأمرين أساسيين : الأول : تحقيق مبدأ التعويض, فالوطن ( المكان ) كان أكثر شئ يشغل بال الشاعر. والثاني : استحضار كل ما قاله الشعراء على مر العصور في النصر والتفوق, والحب والعذاب ,والأمل وخيبة الرجاء.
• بالرمزية استطاع محمود درويش أن يجعل من تفاصيل الحياة الدقيقة منابع بوح وإيحاء .وأن يلتقط من هذا الكون الفسيح الأشياء الصغيرة ليبني منها صرحا يفيض بالعواطف والقيم الجمالية.
• أبدع الشاعر في تحول الحمام إلى يمام انسجاما مع نفي الحب والعشق والوئام من هذا العالم المتغطرس , كما أنه تميز في تبيان طبائع الحمام , بل تفرد في تصوير شمائل الحمام في القبول والانقلاب , لارتباط شعره بالواقع الإنساني بعامة وبالحالة الفلسطينية بخاصة .
• تعددت دلالات البعد الإيقاعي للرمز في شعره توافقا مع الإبهام في صوت الحمام .
• على الرغم من تأثر رمزية محمود درويش بالاتجاهات الغربية فان شعره الرمزي كان في مواجهة الاستلاب , بل انه عزز الثقافة العربية بإقامة حوار بين الأجيال والثقافات عبر النصوص لا الشخصيات .
• لم يبدع الشاعر في الجمع بين الثنائيات الداخلية في النص فحسب ,وإنما أجاد بالرمزية أيضا أن يجمع بين ثنائيات عدة , أهمها : ثنائية المحلية والعالمية , و ثنائية الجمال والجمهور, فالشاعر استطاع أن يجمع في شعره بين جماليات الإبداع و التلقي .
أما التوصيات فأتمنى أن تدرس الموضوعات التالية في شعره :

(العذرية والإباحية ) و (المرأة بين الرمزية والواقعية) فن الرثاء وبخاصة في الجدارية , والتناص بأبعاده , وأثر التكرار في قوة شعره .



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 68

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة