New Page 1

     مقالات ودراسات

New Page 1

مقاربة بنائية دلالية لقصيدة الشاعر محمود درويش "إلى أمي"- حسين حمزة

 

13/07/2014 10:38:00

حسين حمزة

1. السياق الخارجي
سأعرض فيما يلي الظروف الخارج نصية التي أفرزت نص القصيدة، على اعتبار أنها غلاف يحيط عملية الإبداع الشعري. فتصبح القصيدة وليدًا لم يقطع حبل سرته من والدته. أعتقد أن هذه العلاقة هي التي يجب أن تربط النص الأدبي بخارجه، دون أن يكون الخارج مسيطرًا على القصيدة. ومن يفعل ذلك يسلّم بالضرورة بهامشية النص/ الوليد وبمركزية خارج النص الذي كان شرارة أفرزت العمل الأدبي.
يتحدث الشاعر محمود درويش عن علاقته بأمه قائلًا" تكوّن لديّ شعور بأنّ أمي تكرهني. كان هذا عقدة أو شبه عقدة. ولم أعلم أنّه ليس صحيحًا إلا حين دخلت السجن للمرة الأولى، وأنا في السادسة عشرة من عمري. زارتني أمي في السجن وحملت لي قهوة (التشديد من الكاتب) واحتضنتني وقبلتني. فعلمت أنّ أمي لا تكرهني. كتبت " أحنّ إلى خبز أمي" قصيدة مصالحة معها" .
يتبين من خلال وصف الشاعر للظروف المحيطة التي أنتجت القصيدة بأنها موجهة لأمه دون أن تحمل بعدًا رمزيًا وإن كانت قصائده تحمل هذا البعد في مواطن كثيرة." أريد أن ينظر إليّ من دون أن أحمّل أعباء رمزية مبالغًا فيها. ولكن يشرفني أن ينظر إلى صوتي الشخصي وكأنه أكثر من صوت. أو أنّ "أناي" الشعرية لا تمثل ذاتي فقط وإنما الذات الجماعية أيضًا" .
1.1 التناص الداخلي
نعني به أن تتقاطع نصوص الشاعر مع قصائده. يؤدي هذا التقاطع إلى إثراء التجربة الشعرية عنده. ومن ثَم يجعل القارىء يتمّم الرسالة التي يريد الشاعر أن يبثّها من خلال قصيدته الحاضرة. غنيّ عن الذكر أنّ حركة التناص الداخلي هي حركة بندولية تحثّ القارىء على البحث لإيجاد تقاطعات أو تحديد معان تغلّف نص الشاعر بناء على محور التراكم المفرداتي عند الشاعر.
يمكن الإشارة إلى بؤرتين اثنتين تتعلقان بالسياق الخارجي الذي أنتج القصيدة. وتؤثران على علاقة الشاعر بأمه:
1. لفظة الخبز. يذكر الشاعر على سبيل المثال في قصيدة " تعاليم حورية"
ونسيت كيس الخبز (كان الخبز قمحيا)
ولم أصرخ لئلا أوقظ الحراس. حطتني
على كتفيك رائحة الندى يا ظبية فقدت
هناك كناسها وغزالها...
فالخبز عند درويش موتيف أساسي يحمل دلالات الوجود، وعلامة فارقة في تحديد هويته وانتمائه. وتحديد اللون يتجاوز تعليق الشاعر البريء ليصبح دمغة تؤسّس لعلاقة الشاعر بأسباب الحياة. ففعل النسيان يقابله فعل التذكر المتمثل في التعليق(كان الخبز قمحيا).أي أنّ الشاعر يعرض إلى ثنائية العدم والوجود مجازًا في هجرته الأولى إلى لبنان.
2. القهوة. يعتبر درويش من الشعراء العرب القلائل، إن لم يكن الوحيد الذي وصف القهوة وصفًا أسطوريًا جعل منها أيقونة لوجوده كما تمثّل ذلك في "ذاكرة للنسيان". يقول درويش" رائحة القهوة عودة إعادة إلى الشيء الأول لأنها تنحدر من سلالة المكان الأول. هي رحلة بدأت من آلاف السنين وما زالت تعود. القهوة مكان. القهوة مسام تسرب الداخل إلى الخارج وانفصال يوحد ما لا يتوحد إلا فيها هي رائحة القهوة. هي ضد الفطام. ثدي يرضع الرجال بعيدًا" .
يسهم ما ذكرته سابقًا من ظروف محيطة بإنتاجية النص في فهم أفضل لعملية التلقي.
1.2 عتبة العنوان
يتكون عنوان القصيدة من ثلاثة عناصر بنائية: حرف الجر، لفظ الأم وضمير المتكلم. كان بإمكان الشاعر أن يحذف حرف الجر ليصبح عنوان القصيدة "أمي". لكنّ دلالة حرف الجر تؤكد مفهوم الرسالة. فكل عنوان ينقصه ما يخبر عنه أو ما يتقدم عليه. ويكون العنوان عندها رسالة إلى أمي. ولو كان العنوان "أمي" لورد في ذهن القارىء سؤال ما بها؟ أو أن يبحث عن صفة لها أو ما شابه ذلك. وحرف الجر يحمّل العنوان دلالة مغايرة ليست بالوصفية بشكل قاطع. ومن ثم يحدد ملفوظ العنوان الدلالة العامة للقصيدة. فيتحول متنها إلى رسالة. ويتحوّل الشاعر مرسلًا فتنتقل القصيدة من التوجه الفردي"أمي" إلى التوجه التخاطبي في ملفوظ "إلى أمي" ويصبح حرف الجر علامة دالّة لا غنى عنها في القصيدة. أما اللفظ الثاني فهو أمي. ويتكوّن من المرسل والمرسل إليه. إضافة إلى العلاقة الحميمية او التملكية التي يشير إليها ضمير المتكلم.
تعتبر الأم أيقونة مقدسة في الشعر العربي الحديث. وهي في حدّ علمنا كذلك إذ لم يوظّف، فيما نعتقد، اللفظ ذاته بدلالات غزلية إباحية
تعتبر صورة الأم من أهم الرموز التي وظّفها الشاعر في شعره" واستطاع أن ينتزع هذه الشخصية من إطارها الواقعي إلى إطار رمزي جديد قام بابتكاره وخلقه فجردها من بعض صفاتها الآدمية وجعلها رمزًا لأرضه" التي قدس كلّا منهما.
يؤكد العنوان "إلى أمي" دلالة تتناسل من مفهوم الرسالة وهي البعد. لأن الرسالة لا تكون إلا إذا افترضنا مسافة فاصلة بين المرسل والمخاطب. لذلك يتأكد معنى البعد من العنوان كما سنحاول إثباته في القصيدة من جهة، وكما دلّ عليه السياق الخارجي من جهة أخرى.
1.3 هيكلية القصيدة
تنتظم القصيدة في ثلاثة مقاطع. قد يدلّ النسق الثلاثي هذا على عنصر التقديس تجاه الأم. يمكن عنونة كل مقطع على حدة:
1- الأنا الفاعلة في المقطع الأول
2- موتيف التغطية في المقطع الثاني
3- التماهي في المقطع الثالث
1- الأنا الفاعلة- فعل الحنين
يبدأ المقطع الأول بالفعل المضارع أحنّ. والحنين فعل صوت وحركة. نقصد بالصوت معناه المعجمي الذي يدل على " الشديد من البكاء والطرب. وقيل هو صوت الطرب كان ذلك عن حزن أو فرح... والأكثر أن الحنين بالصوت. وتحّننت الناقة على ولدها تعطفت... حنين الناقة على معنيين: حنينها صوتها إذا اشتاقت إلى ولدها وحنينها نزاعها إلى ولدها من غير صوت" .أما الحركة فناتجة عن الرغبة الشديدة في الالتفات إلى الغائب.
لا يكون الحنين لشيء آني بل للبعيد أو لشيء نفتقده. والحنين لا يكون لمن نراه بل لمن غاب عن أنظارنا. يؤكد ذلك البعد الفيزيائي لأنا الشاعر عن أمه والبعد المعنوي. كذلك يحيل فعل الحنين إلى دلالة المقارنة، مقارنة الآني بالماضي فينتج عن ذلك مفاضلة بينهما ترجح الماضي لأنّ الآني يمثل حالة من الضيق/السجن بينما يمثل الماضي حالة مثالية يحاول الشاعر أن يستردها أو أن يبقيها في الذاكرة. يرتبط فعل الحنين بمفهوم التذكر ومن ثم تنشأ ثنائية التذكر والمحو، تذكر الماضي ليمحو الحاضر(وتكبر فيّ الطفولة يوما على صدر يوم). إنّ تضخيم الماضي المتمثل بالطفولة يهدف إلى حصر الحاضر المتضمن هروبًا منه.
إنّ الزمن اللغوي لفعل الحنين هو الحاضر المستمر وتكون دلالة هذا التوظيف حركة دائرية من الرغبة في نقل الماضي إلى الحاضر، أي تحويل الماضي إلى مركز وتهميش الحاضر وهذه آلية أخرى يوظفها الشاعر من أجل صراع البقاء.
يحنّ الشاعر إلى ثلاثة أشياء: الخبز والقهوة واللمسة. وهو بذلك يوظف أسلوب التثليث محكومًا بمبدأ التدرج من المادي إلى المعنوي.
أحنّ إلى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي
وكأن هذه الأمور الثلاثة سلّم احتياجات الشاعر. قد لا تكون لها أهمية من حيث قيمتها لكن إضافتها إلى الأم يجعل لها مكانة خاصة.
يكثّف الشاعر شعرية الحواس في المقطع أعلاه ذلك أنّ جميع الحواس تتمركز فيه من لون ورائحة وملمس وسمع غليان القهوة. يعتبر هذا المقطع الافتتاحي نفثة شعورية يؤكد أنّ ما يذكره هو ما يفتقده،عند ذلك يصبح المعنى المورّى هو الحاضر ظِلّ النص يلازمه.
يقابل الشاعر بين الطفولة وبين الحاضر. عندما نكبر نبتعد عن طفولتنا بفعل عوامل التهيئة الاجتماعية لكنّ الشاعر يجرّ طفولته معه فتتناسب تناسبًا طرديا مع حنينه. وهي مرآة محدبة تعكس كبر الألم الذي يحياه الشاعر.
وتكبر فيّ الطفولة
يوما على صدر يوم
يفيد التوالي في السطر يوما على صدر يوم دلالة الاستمرار من جهة، أما لفظ صدر فيحيل إلى الحنان وبما أن من دلالات الصدر ما يتعلق بالأم نستنتج أن الزمن في فعل الحنين رديف للأم وهذا التلازم يساعد الشاعر في الانتصار على عامل الزمن البطيء في السجن وهذه من آليات مقاومة الواقع ومواجهته وهي ما يمكن أن أسميها بآلية التحويل أي تحويل دلالة الزمن كفعل قسري يقيد الشاعر، إلى دلالة إيجابية.إضافة إلى آلية الاستحضار وهي سحب الماضي بمثاليته إلى الحاضر.
وأعشق عمري لأني
إذا مت
أخجل من دمع أمي
يوظف الشاعرالفعل أعشق للتأكيد على مقاومته للواقع إذ يتمسك بعمره حتى ينتصر عليه، نلاحظ هنا آلية التحويل مبررًا، ذلك بأنه يخجل من دمع أمه ومرة أخرى يجعل الزمن رديفًا للأم حتى يتغلب على زمن الحاضر المأسور فيه.
2- موتيف التغطية.
نلاحظ أن الشاعر يوظف بشكل لافت ألفاظًا تدلّ على التغطية في المقطع الثاني.
خذيني إذا عدت يومًا
وشاحًا لهدبك
وغطّي عظامي بعشب
تعمّد من طهر كعبك
وشدّي وثاقي
بخصلة شعر
بخيط يلوح في ذيل ثوبك
إنّ الألفاظ ( وشاح، هدب، غطي، عشب، تعمد(تغطية بالماء)، خصلة شعر، ثوبك) تؤكد موتيف التغطية وهو يدل على الحماية والانقياد إذ أن الشاعر في المقطع الأول تركّز في ذاته وكانت الأنا محور المقطع الأول ومفتتح المقطع الفعل أحن. ثم يوظف الأفعال المضارعة من جهة وضمير المتكلم من جهة أخرى. أما في المقطع الثاني فيتغير الخطاب في القصيدة ويتوجه الشاعر إلى أمه بقوله(خذيني). يتحوّل الفعل المضارع في بداية المقطع الثاني إلى فعل طلبي وكذلك في المقطع الثالث(ضعيني). ُيلاحظ أن بداية المقاطع الثلاثة هي أفعال يحكمها مبدأ التدرج من الداخل إلى الخارج. أحنّ _ خذيني _ ضعيني.
يحمي الوشاح ويزين العاتق مثلما تفعل الأهداب. كما أنّ دلالة الفعل خذيني هي التملك والانقياد وهي رغبة التشيؤ عند الشاعر ليعبر عن عشقه لأمه ولينتعتق من ظروفه السيئة. يقوم الشاعر في هذا المقطع بما يشبه الطقس الديني حتى يصل إلى عملية التطهر. يطلب من أمه الحماية لكي يولد من جديد "وغطي عظامي بعشب" وكأن العشب مجازًا اللحم الذي سيكسو عظامه وفي ذلك إشارة خفية كتناص لعملية البعث والإنشاء من جديد وبالتالي يصبح السجن رمزًا للقبر.
يلتفت الشاعر في المقطع الثاني إلى أمه ويتخلّى عن ذكر احتياجاته فيجعلها قديسة تعمّد الشاعر لأنّ المعمودية تطهّر وحياة .
يحاول الشاعر أن يرتبط ارتباطًا وثيقًا بأمه(وشدي وثاقي) وقد تشير العبارة إلى معنيين متناقضين: الأول، دلالة القيد والسجن. والثانية دلالة الولادة وحبل السرة. يؤكد الدلالة الثانية صورة الطفل الذي يمسك بذيل أمه. ثم أنّ خصلة الشعر قد تشير إلى القوة المستمدة منها كشمشون . وإذا كان ظاهر المعنى سلبيًا فيحوله الشاعر إلى إيجابيٍ. يرتبط بأمه بأوهى الخيوط، ويتطهر من أكثر الأماكن عرضة للاتساخ (طهر كعبك).
كما أن الصورة، بخيط يلوح في ذيل ثوبك تصوير حركي لحالة الارتباط بين الطفل وأمه.
يتضح أنّ موتيف التغطية تمحور في دلالات ثلاث: الحماية، الارتباط والانقياد.
يحاول الشاعر فعل ذلك ليستمد قدسية من أمه.
عساني أصير إلها
إلها أصير
إذا ما لمست قرارة قلبك
نلاحظ أن أمنية الشاعر مكانيًا تتجه إلى أعلى في الحركة للدلالة على الحرية لكنها مشروطة بالاتجاه إلى أسفل وهو لمس قرارة قلب الأم منبع القداسة. كما أن ضمير المتكلم قلّ استعماله ليحلّ مكانه ضمير المخاطب أي أنّ الأنا يتوارى مقابل حضور الأم. قد نتلمس من عملية اللمس أيضّا إشارة تناصية إلى السيد المسيح ومعجزاته يدّلل العمّاد أيضّا على هذا المعنى وهو الولادة من جديد.
3- التماهي
يطلب الشاعر في المقطع الثالث والأخير من أمه أن يكون وقودًا لها وهو يؤكد بذلك مبدأ التماهي مع المخاطب.
ضعيني إذا ما رجعت
وقودًا بتنور نارك
وحبل غسيل على سطح دارك
لأني فقدت الوقوف
بدون صلاة نهارك
يلاحظ في هذا المقطع أيضا الألفاظ التي تدل على النور(نار، نهار، نجوم) ممّا يؤكد مبدأ التماهي. فالوقود وحبل الغسيل وسيلتان تبيّن الأولى الانصهار والثانية تفيد معنى الحرية والانطلاق والخروج من الأسفل، القاع أو السجن إلى سطح الدار، إلى العلوي مثلما أنّ حركة المقطع الثالث تتجه إلى الأعلى من التنور إلى سطح الدار إلى النجوم. قد يكون ذلك إشارة للترفع عن الواقع المأساوي. يتم ذلك باستحضار المخاطب وكأنه أمامه فيلغي الشاعر بواسطة هذه الآلية البعد الفيزيائي بينه وبين أمه. يمكن تقسيم المقطع الثالث إلى قسمين، الأول يتعلق بمبدأ التماهي وهو المقطع أعلاه. والثاني هو العودة إلى الأنا الفاعلة وتعليق الشاعر. فيعود إلى واقعه وسجنه وشبابه بعد أن عاش في القصيدة أمومته وطفولته.
هرمت، فردي نجوم الطفولة
حتى أشارك صغار العصافير
درب الرجوع
لعش انتظارك
إنّ لفظ هرمت فيه تقاطب دلالي للطفولة، فهما على طرفي نقيض والشاعر يقرّ بواقعه وما جنى عليه حتى أصبح يشعر ذاته هرمًا. وقد نلحظ بعض العتاب لأنه يطلب منها أن تعيد نور طفولته حتى يعود إلى بيته، إلى العش الدافيء. على عكس المكان الذي يقبع فيه وهو السجن.

2. تقنيات أسلوبية في القصيدة
2.1 تقنية الحذف
"تتأتى القيمة الفنية لآلية الحذف من أنّ بعض العناصراللغوية يبرز دورها الأسلوبي بغيابها أكثر من حضورها بالإضافة إلى قدرتها على تنشيط خيال المتلقي"
تمثّلت هذه التقنية في حذف فعل المضارع المعطوف أحنّ
أحن إلى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي
وفي الفعل عساني
عساني أصير إلها
إلها أصير
جعل هذا الحذف الفعل أحن بؤرة دلالية مفتاحية في المقطع الأول فكثّف المعنى ولم يتكرر ظاهرًا فجعله متكأ في عملية القراءة.
2.2 التكرار
يفيد التكرار التأكيد والموسيقى ودلالة سياقية تنبثق من النص ذاته وهو ركيزة بنائية في الشعر الحر. وقد جاء التكرار في عدة مستويات تكرار جملة "أحنّ إلى" وتكرار مفردة "أمي" خمس مرات وتكرارحرف الميم 25 مرة وهو يدل على "الأحاسيس اللمسية التي تعانيها الشفتان لدى انطباقهما على بعضهما بعضًا من الليونة والمرونة والتماسك مع شيء من الحرارة" . تؤكد دلالات القصيدة هذه الحالة من الانضمام والاحتضان إلى درجة التماهي فالشاعر يبعث قصيدته معانقًا فيها أمه. أما حرف النون فيبعث من الصميم للتعبير عن الألم العميق(أنّ أنينا) وهو من أصلح الأصوات قاطبة للتعبير عن الألم والخشوع . لقد تكرر حرف النون كحرف 18 مرات وقد تكرر التنوين الذي يلفظ نونًا 10 مرات ويعبر في القصيدة عن ايقاع حزين يرافق فعل الحنين.
يبدو أن تكرار هذين الحرفين(الميم والنون) لم يكن عفويًا عند الشاعر.وقد نجازف تأويليًا إذا قرأنا النون والميم كفعل أمر" نم " موجّه من طبقات النص العميقة كصوت يمثل صدى صوت الأم يحاول أن يهدهد الطفل/ الشاعر.
هناك تكرار مقلوب في الأسطر:
عساني أصير إلها
إلها أصير
يوظف الشاعر هذا القلب المكاني للتأكيد على رغبته في التحول من إنسان قابع في السجن إلى طفل يتعمد ليصير قديسًا أو ليتحرر. يرمز هذا التحول إلى مقاومة الواقع كفعل إبداعي وخلق بديل عنه في القصيدة وكأن القصيدة ملاذ يلجأ الشاعر إليه مثلما يلجأ الطفل إلى حضن أمه.
2.3 الأفعال الطلبية
تكررت 5 مرات (خذيني، غطي، شدّي، ضعيني وردّي). تحيل دلالة الفعلين خذيني وضعيني إلى التوسّل صوتيًا متمثلا بحرف المد الياء. أما بقية الأفعال الطلبية فإنّ التشديد يؤكد الرغبة الملحة في الانعتاق عند الشاعر. يلاحظ كذلك غلبة الجمل الفعلية في القصيدة مقارنة بالجمل الاسمية. ومن دلالاتها الحركة على عكس الجملة الاسمية التي تفيد السكون. مما يؤكد رغبة الشاعر في الانعتاق والتواصل مع أمه.
2.4 البناء الدائري
وهو حركة الرجوع التي يفيدها المقطع الأول من القصيدة بدلالة الفعل أحنّ. يدلّ على الالتفات والعودة إلى الماضي على المستوى المعنوي. مقابل نهاية القصيدة:
هرمت، فردي نجوم الطفولة
حتى أشارك صغار العصافير
درب الرجوع
لعش انتظارك
التي تشير إلى حركة الرجوع المادية. وفي هذا البناء تكامل بين المادي والمعنوي كما أنّ القصيدة تبدأ بالأنا ويتمحور المقطع الأخير عليها( هرمت، أشارك).
2.5 أسلوب الشرط
وظف الشاعر أسلوب الشرط في جميع مقاطع القصيدة وقد استعمل أداة الشرط إذا غير الجازمة التي تفيد الزمن المستقبل.
وأعشق عمري لأني
إذا مت
أخجل من دمع أمي
وفي المقطع الثاني يظهر الشرط في بدايته.
خذيني إذا عدت يوما
وشاحا لهدبك
وفي نهايته
إذا ما لمست قرارة قلبك
وفي بداية المقطع الثالث
ضعيني إذا ما رجعت
وقودا بتنور نارك
يفيد توظيف أسلوب الشرط حالة الاحتمال مما يناقض فعل الحنين في القصيدة وفيه من دلالة المستقبل ما يجعل الشاعر يعيش الواقع أي أنّ دلالة أسلوب الشرط هو تذكير الشاعر بواقعه الأليم. فإذا كان فعل الحنين فيه تيقنّ ما فإن أسلوب الشرط يفيد الشك والاحتمال، ومن ثم تنتظم القصيدة بين هذين المحورين الواقع الحاضر والماضي الحضور والغياب.
2.6 التنافر الإضافي
هو" اللاتجانس الإضافي الذي يقوم على عدم ملاءمة المضاف للمضاف إليه إذ تعد الإضافة من باب المتلازمات، لأنّ المضاف والمضاف إليه يشكلان في اللغة بنية متكاملة دلاليا"
يقول درويش:
تعمد من طهر كعبك
فالطهارة والكعب ليسا من المتلازمات الدلالية. فالكعب من أكثر أعضاء الجسد عرضة للاتساخ مما يفيد ذلك المبالغة في التقديس.
2.7 القافية المقيدة
وهي حرف الروي الساكن (حرف الكاف في الغالب) وقد شكّل عنصرًا مهمًا فيها في المقطعين الثاني والثالث وتكرر 8 مرات فيهما. ويفيد هذا التوظيف بناء على سياق القصيدة حالة الأسر التي يحياها الشاعر كما أنها تسهم في تشكيل البنية الإيقاعية للقصيدة كلها. تعج ّ القصيدة بحروف المدّ. وردت أكثر من 50 مرة في القصيدة المكوّنة من 28 سطرًا. وفي كليهما تأكيد على الرغبة الملحة في الانعتاق وتغيير واقع الشاعر.
2.8 الانزياح الطباعي
"تعد البنية المكانية من أبرز العناصر البنائية التي أخذ يعتمد عليها الشاعر الحديث في تشكيل نصه الشعري مستحدثا من العلامة غير اللغوية وسيلة تعبيرية لإنتاج الدلالة النصية مشيدًا بذلك جسرًا من جسور التواصل والألفة بين القارىء والنص" .بنيت القصيدة في معظمها على أسلوب الجريان، أي أن السطر الشعري لا يتم معناه بنائيًا ودلاليًا إلا إذا ألحقنا به السطر الشعري الذي يليه وهو أسلوب يجمع بين التضمين والتتميم في المصطلح البلاغي القديم. يفيد هذا الأسلوب بناء على سياق القصيدة تلهّف الشاعر ورغبته الملحة في استعادة حريته متمثلا في فعل الحنين وخطاب أمه.
كذلك نلاحظ علامة الانفعال بجانب كل أسلوب شرط وفي نهاية القصيدة. تتبع علامات الترقيم أيضا إلى مفهوم توزيع السواد على البياض في العمل الأدبي. تفيد علامة الانفعال دلالة أسلوب الشرط، الشك في مقابل اليقين أي مواجهة الواقع بالحنين.
وضع الشاعر كذلك نقطتين بدل واحدة في 6 مواضع من القصيدة. فإذا كانت دلالة النقطة إتمام المعنى والمبنى في السطر الشعري. فإن النقطة الثانية هي تحفيز لمخيلة القارىء في أن يعيد رسم الصورة بمخيلته فتدل على ترسيخ المعنى والتأمل في حركية الصورة. ومن الملاحظ أن النقطتين اثبتتا في معظم المواضع التي لها دلالة مادية: لمسة أمي، وشدي وثاقي، بخصلة شعر،إلها أصير، بتنور نارك، درب الرجوع. ثم إنّ الفاصلة بعد الأفعال خذيني، ضعيني، هرمت، تدلّ على التوقف وإبطاء حركة القراءة مما تفيد استغراق اللحظة لتذويت الحدث: الأخذ، الوضع والهرم. ونحن نقر أن ما نقوم به في هذا البند محاولات تأويلية تتساوق وسياق النص في سبيل إيجاد العلاقة بين الشكل والمضمون.
2.9 معجم القصيدة
يبدو أن معجم القصيدة حسيّ بوجه عام ومستقى من عالم الجسد من جهة (صدر، دمع، هدب، عظام، كعب، خصلة شعر،كعب، قلب). وألفاظ مستقاة من بيئة البيت من جهة أخرى مثل (خبز، قهوة، وشاح، عشب، ثوب، حبل غسيل، تنور، عش). تفيد هذه الألفاظ الحسية الرغبة عند الشاعر في الالتحام بأمه لما تمثله من حميمية وانعتاق.
تنتهي القصيدة بالسطر "لعش انتظارك". وقد دار تحليلنا حول أنا الشاعر في القصيدة أو المرسِل والرسالة ولم نتطرق إلى دور المرسَل إليه إلا من منظور أنا الشاعر. لكنّ السطر الأخير يجعل القارىء يفهم انتظار الأم كفعل للحنين أيضا من جهتها تقاوم به الواقع والزمن. عندها، تنفتح دلالات القصيدة من جديد لفهم دور الأم تجاه ابنها فيقوم القارىء بإعادة قراءة حالة الأم ومقارنة بداية القصيدة، أنا الشاعر مع نهاية القصيدة التي تنتهي بالأنت.

ملحق نص القصيدة:
إلى أمي

أحنّ إلى خبز أمي
وقهوة أمي
ولمسة أمي..
وتكبر فيّ الطفولة
يوما على صدر يوم
وأعشق عمري لأني
إذا مُتّ
أخجل من دمع أمي!
*****
خذيني، إذا عدتُ يومًا
وشاحًا لهُدبكْ
وغطّي عظامي بعشب
تعمّد من طهر كعبكْ
وشدّي وثاقي..
بخصلة شعر..
بخيط يلوّح في ذيل ثوبكْ..
عساني أصير
إلها أصير..
إذا ما لمست قرارة قلبكْ!
*****
ضعيني، إذا ما رجعت
وقودا بتنور ناركْ..
وحبل غسيل على سطح دارك
لأني فقدت الوقوفَ
بدون صلاة نهاركْ
هرمت، فردّي نجوم الطفولة
حتى أشارك
صغار العصافيرِ
درب الرجوع..
لعُشِّ انتظاركْ!*

* ديوان عاشق من فلسطين 1966



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 93

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة