New Page 1

     الزاوية الثقافية

New Page 1

محمود درويش..في ذكرى رحيله الرابعة! / بقلم: د. صلاح عودة الله

 

29/08/2012 12:49:00

"للمنفى أسماء كثيرة، ومصائرُ مُدمّرة قدلا ينجو منها إلا بعض الأفراد الذين لا يُشكّلون القاعدة, وأما أنا، فقد احتلّني الوطن في المنفى, واحتلّني المنفى في الوطن..ولم يعودا واضحين في ضباب المعنى. لكني أعرف أني لن أكون فرداً حراً إلا إذا تحرَّرَت بلادي, وعندما تتحرَّر بلادي، لن أخجل من تقديم بعض كلمات الشكر للمنفى" ..

الشاعر العربي الفلسطيني الراحل محمود درويش. في التاسع من شهر اب قبل أربعة أعوام, كان أحد أيام الشؤم التي تعودنا عليها, فقد جاء ملاك الموت ليخبرنا بأن شاعر قضيتنا ومقاومتها محمود درويش قد فارق الحياة, ثلاثة أيام بعد أن خضع لعملية جراحية في قلبه في مدينة هيوستن الأمريكية.هكذا هم أبناء شعبنا العظام كالعصافير التي احترفت الحرية, وتموت خارج أوطانها..ولد درويش في قرية البروة ومن ثم رحل الى الجديدة بعد تدمير قريته ليصبح لاجئا في وطنه,وبعدها غادر الى موسكو وتنقل في العديد من الدول العربية والغربية, ليصبح لاجئا خارج الوطن, وليفارقنا أيضا خارجه. تمر علينا الذكرى السنوية الرابعة لرحيل شاعرنا العظيم والألم لا يزال يعتصر قلوبنا على من ترك الشعر وحيدا يتيما..من الصعب أننكتب في هذا الانسان, الرمز, العاشق, المناضل, المتألم..فكيف تكون الكتابة في غيابصاحبها, فهو رمز من رموز النضال الفلسطيني, وعلم من أعلام الثقافة والأدب العربي,وصوت شاعرصادق وأمين, خاطب ضمائر العالم الحية بقلب مثقل بأحزان فلسطين وشعبها, وأوصل دمعة القدس الجريح الى كل فضاء ومنبر حر في كافة بقاع الأرض. توقف قلبه عن الخفقان, فلم يعد بمقدوره تحمل عبء القضية, انه قلب لا يرحم, فبتوقفه هذا رحل جزءهام ورئيس من أجزاء القضية..هذا ما لم يرده محمود وان كان يتوقع حدوثه كللحظة..أحمل في صدري”قنبلة موقوتة” كما كان يقول, وهذا ما لم نرده نحن والقدس, كيفلا وقد كان ابنها المدلل, ابنها الذي حمل أسمها وهمومها أينما رحل وحل, ولم يكنمتعبا بها, فدفن بالقرب منها وعلى تلة تطل عليها, ومنها يصبو اليها محمود ويداعبها وتداعبه. بعد رحيله, قال الناقد السعودي عبد الله الغذامى:”رجل نُجمع على تبجيله..وصاحب صيت هو الأكبر في ثقافتنا اليوم”. كل ما تمناه درويش هو الموت الهادئالبسيط، فكان له ما أراد..”لا أشياء أملكها لكي تملكني”,ومن هنا كتب وصيته بدمه.
محمود درويش لم يمت, فما مات من زرع العقيدة وارتحل, والعظماء لا يموتون أبدا, هكذا علمنا التاريخ..إن محمود لا يقبل كما هم العظماء أن يكون الموت نهايتهم, فهو ليس كباقي المخلوقات..”إن الموت لا يعني لنا شيئا نكون, فلا يكون”..ومن هنا صرخصرخته المدوية المليئة بالتحدي والعنفوان والفخر والاعتزاز: سجل أنا عربي, وحذر كلمن سمعوه من غضبه ومن جوعه:”سجِّل..برأسِ الصفحةِ الأولى, أنا لا أكرهُ الناسَ ولاأسطو على أحدٍ ولكنّي.. إذا ما جعتُ آكلُ لحمَ مغتصبي, حذارِ..حذارِ..من جوعي ومنغضبي”. لقد سقط الحصان عن القصيدة لكي يرحل إلى البيت عبر السفح كما شاء: إماالصعود وإما الصعود..والآن يا أخانا بعد أن لم تعد بشرا مثلنا، لأنك مت شاعراأسطوريا لتعيش مع من هم مثلك, مع الأساطير.. لقد دخلت التاريخ، وصرت اليوم ما أردت,فقد صرت فكرة وكرمة وطائرا فينيقيا وشاعرا جسده تحت الثرى، واسمه فوق الثريا..لقدصرت تماما كل ما تريد, لقد صرت فكرة,” سأصبح يوماً فكرة..لا سيف يحملها إلى الأرضاليباب ولا كتاب..كأنها مطر على جبل تصدع من تفتح عشبه..لا القوة انتصرت..ولا العدل الشريد..سأصير يوماً ما أريد..أنا من تقول له الحروف الغامضات, اكتب تكن, واقرأتجد”. لقد كانت قصائد درويش وستبقى وطناً وهوية، لذا أحبه الشعر ومنحه أسرار خلوده،لكنه ظل يبحث عن الموت في جداريته”الوصية” بلا موت، ويهزم الموت باستعلاءقائلاً:”هزمتك يا موت الفنون جميعها..هزمتك يا موت الأغاني في بلاد الرافدين..مسلةالمصري، مقبرة الفراعنة..النقوش على حجارة معبد هزمتك انتصرت, وأفلت من كمائنالخلود..فاصنع بنا, واصنع بنفسك ما تريد”.لقد انتظرت الموت يا محمود “بذوق الأميرالرفيع البديع”, وأبنت نفسك بأفضل مما قد يفعل أي منا، فكانت وصيتك في جداريتك:أقول صبّوني بحرف النون ، حيث تعبّ روحي..سورة الرحمن في القرآن..وامشوا صامتينمعي على خطوات أجدادي, ووقع الناي في أزلي, ولا تضعوا على قبري البنفسج، فهو زهر المحبطين يذكّر الموتى بموت الحبّ قبل أوانه..وضعوا على التابوت سبع سنابل خضراء إنوجدت، وبعض شقائق النعمان إن وجدت، وإلا، فاتركوا ورد الكنائس للكنائس والعرائس”.تفتقد قضية فلسطين، كما يقول محمود درويش، المحكمة
الحيادية والقاضي المحايد, ولأن الأمركذلك، فإن الافك أو الباطل ينجح في تصويرها وفق هواه، لا وفق مبادئ الحق والعدالة، ولكن هل يستطيع الباطل ان يصول ويجول وأن ينتصر إلى ما لا نهاية؟. برحيلك يادرويشنا, فقد الأدب العالمي عامة والعربي خاصة واحدا من أعظم الشعراء..يقول نزار قباني بعد آخر لقاء معه:”ذهبَ شَوْساً، كالفينيق حلّقَ، دون أن يَهزُمَ الموتَ بالخلودِ..فما يخطرُ من أمرٍ، جأشُ الشعرِ كما هو محمودُ ، أبداً، يبقي الذاكرة ويبقي هو صاحب القول المأثور:”خُذوا أرضَ أُمّي بالسيفِ لكنّني, لنأوقعَ باسمي علي بيعِ شبرٍ من الشوكِ حولَ حقولِ الذَرَةْ”.

في ذكرى رحيله الرابعة نقول, محمود درويش لم يمت, فهو حي في قلوبنا, في ذاكرتنا وفي عقولنا إلى الأبد, فكلما قرأنا أو سمعنا أو مررنا على طرف قصيدة من قصائده يتجلى أمامنا بكل كبرياء وشموخ وهو يردد على هذه الأرض سيدة الأرض ما يستحق الحياة..فنم قرير العين يا شاعرنا العظيم وستبقى أبد الدهر تغني ونغني معك: على هذه الأرض ما يستحق الحياة وشعبك يستحق ذلك بجدارة.

قم أيها  ”المسيح”  من بين الأموات وهبالحياة لمن يظنون أنهم أحياء, فهم موتى لا حراك بهم, ولا يملكون ضريحا ويتامى لايملكون عيونا.
وأنهي بما قاله الأستاذ أحمد درويش الشقيق الأكبرللراحل: ”شعرت في المرة الأخيرة التي زارنا فيها في قرية  “الجديدة”  أنها الليلة الأخيرة, التقطنا صوراً كثيرة على غير العادة, وأحسست أن سفره إلى أميركا سيكون بمثابة رحلته الأخيرة..شهادتي لا تختلف عن شهادات الآخرين فليس لي بمحمود أكثر من الآخرين”.. فهل بعد هذه الشهادة من شهادة؟..فعلا, لقد كنت يا محمود نصف العرب بل أكثر.

د. صلاح عودة الله -القدس المحتلة

 

 

 

 



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 76

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة