New Page 1

     الزاوية الثقافية

New Page 1

محمود درويش في ألمانيا / شتيفـان فايدنر

 

31/07/2012 01:23:00

شتيفان فايدنر


يقوم الكاتب والمترجــم الألماني المعــروف شتيفـان فايدنر: Stefan Weidner بزيارة الى عدد من المدن الفلسطينية مثل القدس ورام الله وغزة يتحدث فيها عن صورة الشاعر الراحل محمود درويش في ألمانيا. كيكا تنشر هنانص المحاضرة بالاتفاق مع المؤلف..
سيداتي سادتي، أعزائي هواة الشعر ومحبو القصيد،
لقد أحزننا وحز في قلوبنا رحيل محمود درويش المفاجئ قبل بضعة أسابيع. وشاءتالصدفة أن التقي به في باريس قبل رحيله بأسبوعين. وكنا، نحن الاثنين، هناك للاستماعإلى الشاعر العراقي يوسف سعدي وهو يقرأ شيئاً من شعره. وحضوره هذا الحفل الشعري أمرلا يحتاج إلى تفسير. فمحمود درويش كان في نشاط متواصل. ولذا لا عجب أن أكابد صدمةعظيمة بعدما بلغ سمعي، بعد برهة وجيزة من هذا اللقاء، نبأ رحيله.
إنكم جميعاً تعرفون محمود درويش، تعرفون سيرة حياته وعطاءه الشعري. من هنا، فإنيلن أتحدث إليكم هاهنا عن شخص الشاعر، بل سأروي عليكم كيف ذاع صيت محمود درويش فيألمانيا وما يستطيع قراؤه الألمان فهمه من قصائده.
ومنذ صدور ديوانه الشعري الموسوم "أوراق الزيتون" في عام 1964، هذا الديوان الذيذاعت به شهرة محمود درويش، طرأت تحولات على نتاجه الأدبي. فهو تحول من شاعر ناشطسياسياً إلى صوفي؛ تحول من ثائر إلى شاعر غزلي. إلا أن هذه التحولات لا يجوز أنتحجب عنا أن موضوعه الأصلي، أعني مصير الفلسطينيين، قد ظل دائم الحضور في إنتاجهالشعري. إن محمود درويش مكن آمال الفلسطينيين وآلامهم من أن تتسلل إلى الأدبالعالمي. وحالفه النجاح في هذا المسعى وذلك لأن قصائده ما كانت تتحدث عنالفلسطينيين فقط، بل كانت تتحدث عن الإنسانية جمعاء. وهكذا، ولأن محمود درويش كانيترجم آمال وآلام الفلسطينيين خاصة والإنسانية عامة، لأنه كان شاعر الفلسطينيينوشاعر عالمي المنظور، لذا تراه يُقرأ في كل أنحاء المعمورة.
وتراهطبعاً يُقرأ في ألمانيا أيضاً. بيد أن ثمة أسباباً عديدة جعلت استقبال قصائد درويشفي ألمانيا يختلف عن استقبالها في باقي العالم. وكان أحد الأسباب يكمن في انقسامألمانيا إلى شطرين في الحقبة بين الواقعة بين عام 1949 وعام 1990. ففيما كانتالساحة الأدبية في ألمانيا الغربية تفتح صدرها على الأدب الأمريكي، كانت الساحةالأدبية في ألمانيا الشرقية شديدة الانفتاح على الأدب الروسي. وكان هذا الانقسام قدانعكس على أدب الشرق الوسط أيضاً: ففيما كان الأدب الإسرائيلي يحظى بالاهتمام فيألمانيا الغربية، كان الأدب العربي، والأدب العربي القادم من البلدان العربية ذاتالنزعات الاشتراكية، أعني على سبيل المثال وليس الحصر، الأدب القادم من الجزائرومصر الناصرية وسوريا والعراق، يحظى بالاهتمام في ألمانيا الشرقية. وتسري وجهةالنظر هذه على الفلسطينيين أيضاً، فهم أيضاً كانوا يجسدون بالنسبة للمعسكر الشرقيحلفاءً اشتراكيين.
وكانتأول مؤلفات محمود درويش المترجمة إلى ألمانيا قد تولت نشرها، في وقت واحد تقريباً،دار نشر في ألمانيا الغربية وأخرى في ألمانيا الشرقية. ففي بادئ الأمر، في عام 1978على وجه التحديد، صدر فيبرلين الغربية مؤلفه "يوميات الحزن العادي" بترجمة فاروقبيضون. وهنا أيضاً لعبت العوامل السياسية دوراً مميزاً في نشر هذا الكتاب، فدارالنشر الألمانية الغربية كانت اشتراكية النزعة وتكن العداء للكولونيالية والاستعماروتتطلع لتعريف القراء الألمان بآداب العالم الثالث. وصدر في برلين الشرقية بعد عاممن ذلك، أي في عام 1979 على وجه التحديد، ديوان محمود درويش الموسوم "عاشق منفلسطين". وكان هذا الديوان بترجمة السيدة يوهانا وقرينها مصطفى هيكل.
والأمرالملفت للانتباه هو أن مترجمي أول مُؤَلَفين يصدران لمحمود درويش باللغة الألمانيةقد كانوا ينحدرون من أصول عربية. ومعنى هذا هو أولاً: أن تعريف الألمان بالأدبالعربي لم ينهض به ألمان، بل كان قد نهض به عرب أرادوا تعريف وطنهم الجديد بثقافةأوطانهم الأم. وثانياً: أن الترجمة لم يقم بها أفرادٌ الألمانية هي لغتهم الأم.وغني عن البيان أن أغلب الأدب العالمي، الذي نقرأه في اليوم الراهن، كان قد نهضبترجمته أفراد من صفاتهم أن اللغة التي يُترجمون إليها هي لغتهم الأم، وليس أفراديترجمون من لغتهم الأم إلى لغة أجنبية بالنسبة لهم.
وهناكأسباب معقولة جداً لهذا المنحى: فأقلية محدودة جداً من المترجمين تمتلك ناصية اللغةالأجنبية بالنحو الذي يجعل بمستطاعها ترجمة النص الشعري (نعم النص الشعري على وجهالخصوص!) من لغتها الأم إلى اللغة الأجنبية بأسلوب شعري. إلا أن هذا المنحى لا غبارعليه حينما يحظى النص الأدبي باهتمام أبناء اللغة الأجنبية لأسباب سياسية في المقامالأول، لأسباب تتعلق بمضامينه ورسالته السياسية بالدرجة الأولى. وعموماً نجيزلأنفسنا القول بأن الاهتمام الذي حظي به محمود درويش في ألمانيا ما كان يكمن - فيالوهلة الأولى - في شخصه كشاعر، بل كان يكمن في مواقفه السياسية. ومع أن مثل هذهالحفاوة السياسية أمر لا ضير فيه طبعاً، إلا أنها تنطوي بالرغم من ذلك على أمرسلبي: فعندما لا يحظ الموضوع السياسي بالأهمية المناسبة لدى القراء، فإن هؤلاء لنيعيروا اهتماماً يذكر لهذا الأدب.
إنهذا بالذات هو الأمر الذي صادفه، وللأسف، أدب محمود درويش في ألمانيا. فبعدما صدرأول كتابين له في العامين 1978 و1979، فتر الاهتمام بنتاجه الأدبي في الثمانينات.وهكذا، لم يُنشر بالألمانية كتاب أخر لمحمود درويش إلا عام 1996، أي بعد مضي ستةأعوام على إعادة توحيد ألمانيا. وتفسير هذا التأخير يكمن في أن الاشتراكية كانت قدفقدت في ألمانيا الكثير من بريقها في حقبة الثمانينات. وعلى خلفية هذه الحقيقةفَقَدَ، أيضاً، الأدبُ الذي يُصنف ضمن الأدب الاشتراكي الكثير من بريقه، أعني ذلكالأدب الشبيه بشعر محمود درويش المنشور في دور نشر اشتراكية النزعة. ومن نافلةالقول التأكيد هنا على أن اتخاذ هذا الموقف إزاء أدب محمود درويش قد انطوى على سوءفهم لحقيقة الأمور، فمحمود درويش لا يعطيه المرء حق قدره إذا نظر إليه من خلالعقيدته السياسية فقط .
 وهناكسببان آخران يفسران لنا سبب عدم ظهور كتاب لمحمود درويش مترجماً إلى الألمانية طيلةالفترة الواقعة بين عام 1979 وعام 1996. السبب الأول غاية في البساطة: فقلة منالأفراد، وقلة من الألمان على وجه الخصوص، كانوا يعرفون من هو محمود درويش. وحتىالتسعينات لم تعر إلا فئة محدودة العدد من المستشرقين اهتماماً يذكر للأدب العربيالحديث. علماً بأن هذا العدد المحدود من المستشرقين نادراً ما كان يترجم نصوصاً منهذا الأدب إلى الألمانية. وكانت المستشرقة المشهورة آنا ماري شمل حالة استثنائية فيهذا المجال. فمع أن اهتمامها الرئيسي انصب على التصوف الإسلامي والثقافةالإسلامية-الهندية، إلا أن هذا لم يمنعها من أن تعير اهتماماً معتبراً للشعر أيضاً.فبقلمها ظهرت أول ترجمة ألمانية لبعض قصائد محمود درويش. فحينما انتخبت آنا ماريشمل القصائد التي اشتمل عليها مؤلفها الموسوم "شعر وجداني عربي معاصر"، فإنهااختارت لكتابها هذا أربعة قصائد لمحمود درويش.
إلاأنه لا يجوز لنا أن نحزن كثيراً على قلة الاهتمام بمحمود درويش: فكثير من الكتابالعرب ما كان معروفاً في ألمانيا وقتذاك. من ناحية أخرى، فإن أول الأدباء العربالذين تعرف عليهم القارئ الألماني، هم أولئك الأدباء الذين كتبوا بالفرنسية وحققوانجاحاً معتبراً في فرنسا، أعني أدباء من قبيل طاهر بن جلون وآسيا جبار. ونجيب محفوظأيضاً لم تظهر له أول رواية مترجمة إلى الألمانية إلا في عام 1979؛ وحتى بعد حصولهعلى جائزة نوبل في عام 1989، لم يكن بمستطاع القراء الألمان قراءة أكثر من ثلاثروايات من رواياته (ولحسن الحظ أن هذا العدد قد زاد على العشرين رواية في اليومالراهن).
وثمةسبب آخر للاستقبال المتردد الذي واجهه محمود درويش في ألمانيا، سبب لا نريد أننتستر عليه ونخفيه أبداً: فالألمان يخيم عليهم الشعور بالذنب حيال إسرائيل.فألمانيا النازية تتحمل مسئولية قتل وتشريد ملايين عديدة من اليهود. وكانت هذهالحقيقة قد أدت إلى أن يتخذ المرء في ألمانيا موقفاً متحيزاً في الصراعالإسرائيلي-الفلسطيني. وربما فزع الألمان بنحو ما من محمود درويش. فلو قرءوامؤلفاته فعلاً، لأصبح لزاماً عليهم الاعتراف بحقيقة الوضع السائد في فلسطين – أيلتعين عليهم أن يتشجعوا وينتقدوا إسرائيل.
عقبإعادة توحيد ألمانيا تغيرت الصورة. فمن ناحية، بهت صدى السنين الغابرة من التاريخالألماني، ومن ناحية أخرى كانت نهاية الصراع مع المعسكر الشرقي قد مكنت الألمان منأن يكونوا أكثر انفتاحاً على العالم. وهكذا، وبخطوات وئيدة بدأت دور النشرالألمانية تترجم وتنشر الأدب العربي. وفي خضم هذا التوجه الجديد اكتشف المرء فيألمانيا محمود درويش ثانية. وفي عام 1996 أصدرت دار نشر صغيرة تقيم في برلين،ومتخصصة بنشر الأدب العربي، ترجمة ألمانية لديوان محمود درويش الموسوم "ورد أقل".وهذه الترجمة أيضاً نهض بها عربي، أعني الناشر والشاعر العراقي خالد المعالي.
وفيعام 1998 أصدرت دار نشر صغيرة تقيم في مدينة هايدلبرغ ومتخصصة أيضاً بمسائل الشرقالأوسط سلسلة أحاديث أُجريت مع درويش. وكانت هذه الأحاديث قد نُشرت بالفرنسية منقبل بعنوان: فلسطين كصورة مجازية. وفي عام 2001 صدرت قصة محمود درويش الدائرةأحداثها حول الحصار الإسرائيلي لبيروت، أعني كتابه "ذاكرة للنسيان". وكان هذاالكتاب قد صدر هذه المرة عن دار النشر السويسرية لَينوس، الدار المتخصصة أيضاً بنشرالأدب العربي. وكانت ابنة لايبزيغ، المستشرقة كرستا شتوك، هي التي تولت ترجمة هذاالمُؤَلَف إلى الألمانية. وفي عام 2002 نشرت دار النشر السويسرية آمان ترجمتيلقصائد كنتُ قد انتخبتها من إنتاج محمود درويش الشعري. ودار "آمان" هي ثاني أكبرناشري المؤلفات الأدبية في سويسرا، علماً بأن هذه الدار متخصصة بالأدب العالمي عامةوأعظم شهرة من كافة دور النشر الأخرى التي تولت إصدار مؤلفات محمود درويش.
والأمرالذي يجلب انتباهنا هو أن مؤلفات محمود درويش لم تصدر في ألمانيا حتى الوقت الراهنإلا عن دور نشر صغيرة وغير مشهورة. فمؤلفات درويش، التي تحظى بأكبر عدد من القراء،صدرت في سويسرا. ورب سائل يسأل عن سبب هذه الظاهرة. وبالنسبة لي، فإني أعتقد أنتفسير هذه الظاهرة لا يكمن في أسباب ذات طبيعة سياسية. إن المشكل يكمن في أن محموددرويش يكتب الشعر أولاً، أي يدبج مادة لا تُقرأ كثيراً في ألمانيا. فأغلب الدواوينالشعرية الصادرة في ألمانيا لا تتجاوز النسخ المطبوعة منها على ألف نسخة. هذا فيحين أن طبع هذا المُؤَلَف أو ذاك لا يحقق المردود المالي الذي تتطلع إليه دور النشرالكبيرة إلا بعد بيع ثلاث آلاف نسخة وأكثر منه.
وبوسعيأن أستشهد هنا بالديوان الذي كنتُ قد ترجمته أنا شخصياً. في عام 2002 طبع الناشرألفين نسخة منه. في صيف عام 2008 بلغ عدد النسخ المباعة 1750 نسخة. ومع أن تصريفديوان شعري بهذا العدد أمر لا بأس به بالنسبة لألمانيا، إلا أن هذه الإشارة لا تغيرطبعاً شيئاً من حقيقة تواضع عدد النسخ المطبوعة من هذا الديوان. وبعدما تناقلتوسائل الإعلام نبأ رحيل محمود درويش، صَرَّف الناشرُ المتبقي من النسخ، أي أن نسخالديوان قد نفدت في الأسواق بالكامل حالياً.
إلاأن ثمة أخباراً جيدة أيضاً. ففي الألمانية توجد لمحمود درويش حالياً سبعة كتب.وكانت هذه المؤلفات قد تولى نقلها إلى الألمانية مترجمون مختلفون وأصدرتها خمس دورنشر مختلفة. من هنا، فإن بوسعنا أن نقول الآن بأن محمود درويش قد أمسى معروفاً لدىالمهتمين بالأدب في ألمانيا. وتشهد على هذه الحقيقة مشاركة محمود درويش في العديدمن المؤتمرات التي التأم شملها في ألمانيا والأمسيات المختلفة التي قرأ فيها بعضاًمن قصائده أمام الجمهور الألماني في السنوات الأخيرة. وربما كان حضوره فيالأكاديمية الألمانية للغة والشعر في دارمشتات عام 2003 أهم هذه الأحداثقاطبة. 
فهذه الفرصة أتاحت لهالالتقاء بأهم كتاب ونقاد الأدب في ألمانيا وذلك للإصغاء إلى محمود درويش وشعراءعرب آخرين. ومن حقنا أن نقول بأن محمود درويش قد صار منذ هذا اللقاء شاعراً معترفاًبه في ألمانيا.
وربمافكرتم وأنتم تستمعون إلى محاضرتي هذه: إن محمود درويش لم ينل الشهرة في ألمانيا إلاببطء وعلى مهل وذلك لأن ثمة معضلات غير هينة تكتنف ترجمة شعره. إن الحق كل الحقمعكم في هذا الاعتقاد، إن ترجمة شعره عمل ينطوي على مصاعب لا يستهان بها فعلاً! إلاأن الترجمة إلى الألمانية تنطوي على نفس المصاعب التي تعاني منها الترجمة إلى كافةاللغات الأخرى.
وتعودهذه المصاعب إلى سببين: من ناحية إلى الاختلافات الثقافية؛ فقصائد محمود درويشتنطلق من سياق ثقافي يجهله القراء الأوربيون في أغلب الأحيان – تنطلق من الإسلاموالقرآن والتصوف ومن الأدب العربي، أو من الأدب الشرقي عامة. من هنا، لا مندوحةللمترجم، في مثل هذه الحالات، من أن يشرح في هوامش وتعليقات كثيرة، أو في كلمةختامية، المعاني والصور الواردة في هذا الشعر. ويمكننا إن نستشهد في هذا السياقبقصيدة "ونحن نحب الحياة" الواردة في الديوان الموسوم "ورد أقل". ففي هذه القصيدةيتكرر الشطر التالي عدة مرات:
نحبالحياة إذا ما استطعنا للحياة سبيلا.
فمحموددرويش يستوحي هنا آية من آيات القرآن يعرفها أغلب القراء المسلمين بكل تأكيد. أعنيالآية رقم 97 في سورة آل عمران:
"وَللَّهعَلَى النَاس حِجُّ البَيِتِ مَنِ استَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلا"
ومعأن القارئ يستطيع فهم الشطر الوارد في قصيدة محمود درويش من غير معرفة مسبقةبالنصوص القرآنية – إلا أن الأمر الأكيد هو أن معرفة القارئ بان درويش يستوحي هناآية قرآنية، يزيد القصيدة قوة بكل تأكيد. فالنص القرآني – مَنِ استطاع إليه سبيلاًيدور حول الحج، هذا في حين يتحدث شطر درويش عن الحياة أو بتعبير أدق عن حبالحياة.
واشتملتالقصيدة المسماة "الهدهد" في الديوان الموسوم "أرى ما أريد" (1990) على مثال آخرينوه برمز لا يمكن الإحاطة بمغزاه إلا في سياق ثقافي معين. إن النص المشتمل علىعشرين صفحة متأثر بديوان ذائع الصيت، أعني ديوان "منطق الطير" للصوفي الفارسي فريدالدين العطار (1136-1220). ففي هذه الملحمة الشعرية يقود الهدهد الطيور في رحلتهاللحصول على الكشف الصوفي. إن رحلة الطيور الشاقة ترمز عند درويش إلى الوطن وحياةالتشرد التي يعاني منها الفلسطينيون. إلا أن محمود درويش لا يستعير من مؤلف فريدالدين العطار فقط رمز الهدهد، بل هو يستعيره من مؤلفات أخرى تحدثت أيضاً عن الهدهد:أعني أنه استعاره من القرآن وابن سيناء والسهروردي المقتول. إن هذا كله لا مندوحةمن شرحه للقارئ الأوربي.
وتكمنالمعضلة الأخرى، التي تواجهها الترجمة، في الناحية اللغوية. فلزاماً على المترجم أنيتخذ قراراً بشأن ما إذا كان عليه أن يقدم ترجمة شعرية تشتمل على قافية وتفعيلة أولا. وغني عن البيان أن أغلب مترجمي قصائد درويش قد استغنوا عن الالتزام بالقافيةوالتفعيلة. فبالنسبة للمترجمين الذين يترجمون الشعر إلى لغة هي ليست لغتهم الأمتنطوي الترجمة المقفاة، الملتزمة بالتفعيلة، على معضلات لا قدرة لهم على حلها إلابالكاد. بالإضافة إلى هذا، يتخذ الألمان حيال الشعر المقفى الملتزم بالتفعيلةموقفاً مغيراً للموقف الذي يتخذه العرب منه؛ فهذا الشعر يبدو في الألمانيةكلاسيكياً، لا بل يبدو، في بعض الأحايين، أسلوباً شعرياً أكل الدهر عليه وشرب.فحينما يُترجم المرء قصيدة من الشعر العربي الحر (أي قصيدة مدبجة بقافية متغيرةوبتفعيلات مختلفة العدد) إلى الألمانية ترجمة شعرية تلتزم بوحدة القافية، فإن هذهالقصيدة تبدو في الألمانية، في كثير من الأحيان، كما لو كانت قصيدة من صدى القرنالتاسع عشر. ومن نافلة القول التأكيد هنا على أن هذا الأمر لا يجوز أن يمنى بهالشعر المُتَرجم؛ فحدث من هذا القبيل يعطي انطباعاً زائفاً عن حقيقة الشعر العربيالحديث. وبقدر تعلق الأمر بي، فإني حاولت دائماً اتخاذ الحل الوسط: فمع أن ترجماتيلا تستغني أبداً عن القافية والإيقاع، إلا أنها، مع هذا، لا ترن رنين قصائد الطرازالعتيق.
وتكمنالمعضلة الأخرى في الصعوبات اللغوية الناشئة عن المعاني الكثيرة التي تنطوي عليهاالمفردات العربية نفسها. ولأن المرادف الألماني لا ينطوي على هذه المعاني المختلفة،لذا لا مندوحة للمترجم من الإشارة إلى مغزى هذه المفردات في التعليقات والهوامش.ولعل عنوان ديوان محمود درويش الموسوم "سرير الغريبة" خير شاهد على ما نقول.فللوهلة الأولى يوحي العنوان بمغزى جنسي مثله في ذلك مثل المغزى الذي يعبر عنهالمرادف الألماني. إلا أن هذا العنوان ينطوي على معاني أخرى لا يفكر بها القارئالألماني أبداً. وكمثال على هذه المعضلة اسمحوا لي أن أقرأ عليكم نص التعليق الذيكتبته عند ترجمة هذا العنوان:
"إنعبارة غريبة هي مؤنث الغريب، وهي تعني بنحو ما الشخص الغريب عنا. وتتردد هذهالعبارة كثيراً في شعر درويش. وجذر هذه العبارة هو "غ ر ب". وعن هذا الجذر تنشأعبارات الغربة والاغتراب والتغريب ومعاني أخرى مشابهة في المغزى. ومن هذا الجذرتنشأ أيضاً العبارة المشيرة إلى "الغرب" (بالمعنيين الجغرافي والسياسي). وكانالتصوف الإسلامي قد ربط بين كِلا المعنيين. فالسهروردي المقتول، هذا الصوفي العربيالذي عاش في العصر الوسيط، صنف، على سبيل المثال، مقالة عنوانها "قصة الغربةالغربية". في هذه المقالة يجري الحديث عن الغرب بنحو مجازي، باعتباره مكان غربةالإنسان عن موطنه الكائن في العالم العلوي، الكائن بجوار الله. بهذا المعنى، نظرالصوفيون إلى العالم الدنيوي على أنه "الغربة الغربية للروح".
كمايجري اشتقاق العبارة المشيرة إلى تواري الشمس خلف الأفق من هذا الجذر أيضاً:الغروب. وشاءت الصدفة أن تشتمل عبارة غراب على حروف هذا الجذر أيضاً. إن كافة هذهالكلمات عبارات مألوفة في شعر درويش. وربما يعثر المرء مستقبلاً في شعر محمود درويشعلى معاني أخرى لها علاقة بهذا الجذر.
وينطبقالأمر ذاته على عبارة "سرير". وعبارة السِّر واحدة من المعاني الرئيسية المشتقة منالجذر "س ر ر". وتعني صيغة سَريرة السر الذي يُكْتَم، أي الأمر الباطني، الخفي؛وبهذا المعنى فإنها صيغة أخرى لعبارة سِر. ومن خلال هذا الاشتقاق يجري التلميحبالمعنى الصوفي للعنوان. وإذا ما انطلق المرء من هذا المعنى للعنوان، يتبين بجلاءأن "سرير الغريبة" لا يراد منه الإشارة إلى سرير المرأة الغريبة فقط، بل يراد منهأيضاً الإشارة إلى معنى آخر غامض: سر الغرباء، أو أيضاً: "سر الغربة (الذي ترمزإليه المرأة الغريبة)".
لقدكانت هذه السطور هي التعليق الذي حاولت من خلاله شرح المغزى الذي ينطوي عليه عنوانديوان درويش، فمن خلال هذا الشرح فقط يحيط القراء الألمان علماً بأنهم هاهنا ليسواإزاء قصائد غرامية، جنسية، لا غير.
وأودأن أختتم محاضرتي هذه بقراءة قصيدة لمحمود درويش كنت قد ترجمتها أنا شخصياً إلىالألمانية، أعني القصيدة المنشورة بالعربية بعنوان سوناتا. وكان هذا العنوان قدأثار غضب بعض النقاد العرب. فالكلمة العربية سوناتا تنطوي على معنيين مختلفين. فمنناحية تعني هذه الكلمة مقطوعة موسيقية أوربية كلاسيكية، أي Sonata [سُناتَة]. ومنناحية أخرى يمكن أن يكون المقصود منها Sonett [السّونيتة]، أي القصيدة الغنائيةالتي تتألف من 14 بيتاً، والتي هي إحدى الصيغ المتعارف عليها في الشعر الأوربيالكلاسيكي. والأمر البين هو أن هذه العبارة تعني عند درويش الأسلوب الشعري فيالمقام الأول، فقصائده المنشورة بعنوان سوناتا تحذو حذو الأسلوب الأوربي بكل دقة –أي أن درويش اختار هاهنا أسلوباً شعرياً غير متداول في العربية من الناحية العملية.ومع أن المعنى الموسيقي للكلمة العربية سوناتا موجود أيضاً في قصيدة درويش، إلا أنهذا المعنى يحتل مرتبة ثانية في الواقع. إن إدراك هذه الحقيقة أمر مهم حقاً، ففيسياق ترجمتي لهذه القصائد تعين علي أن اختار عند ترجمة سوناتا بين الكلمة الألمانيةالمشيرة إلى المقطوعة الموسيقية وبين اعتبارها، أي عبارة سوناتا، عنواناً يشير إلىأن القصيدة منظومة بأسلوب الشعر الأوربي الكلاسيكي.
ولأندرويش قد حذا، صراحة، حذو هذا الأسلوب القديم من أساليب الشعر الأوربي، لذا حاولت،بصفتي مترجماً، أن أحذو حذو النص الأصلي وأن أقدم ترجمة شعرية مقفاة تأخذ بالأسلوبالأوربي القديم. وأود أن اقرأ عليكم هذه الترجمة وذلك لكي تأخذوا انطباعاً عن إيقاعقصيدة لمحمود درويش في سمع الألمان.
هذاوسأكون شاكراً كثيراً لو تفضل أحد الحاضرين الكرام وقرأ علينا النص العربي من قبلأن أقرأ النص الألماني.
ولايفوتني طبعاً أن أعرب لكم عن جزيل شكري على إصغائكم إلى محاضرتي.

كاتبومترجم ألماني، رئيس تحرير مجلة "فكر وفن" الالمانية.
 
كيكا 
 



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 27

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة