New Page 1

     الزاوية الثقافية

New Page 1

محمود درويش: مغني الشهداء - مصطفى الغرافي

 

30/07/2012 19:08:00

مصطفى الغرافي

قد كان لقاء درويش بالموت في فترة مبكرة من حياته, تجسد أول مرة في مواكب الشهداء الذين يسقطون تباعاً واقفين مثل النخيل وأشجار البرتقال الحزين, يشيعهم الشباب الفلسطيني الذي يؤمن كل واحد منهم في قرارة نفسه أنه مشروع شهيد يسير على الأرض التي سيرويها ذات لحظة استثنائية من عمره بدمائه التي تسيل لكي تصنع من ملحمة الموت ملحمة الحياة. إنه العرس الفلسطيني حيث لا يلتقي الحبيب حبيبه إلا شهيداً أو شريداً: - محاولة رقم 7، ديوان محمود درويش، ج 1 ص:509
 
هذا هو العرس الذي لا ينتهي
في ساحة لا تنتهي
في ليلة لا تنتهي
هذا هو العرس الفلسطيني
لا يصل الحبيب إلى الحبيب
 
يظهر التأمل الدقيق في شعر درويش أن الموت الذي اعتنى بتصويره الشاعر منذ قصائده الأولى ليس الموت العادي ولكنه الموت الذي ينجم عن فعل مواجهة أو مقاومة. ولذلك كان الموت الذي يحتفي به درويش جمالياً هو موت الشهداء؛ أي فعل التضحية الذي يجعل من الموت تجربة إنسانية فريدة تستحق التمجيد والاحتفاء. تكشف القصائد الأولى التي كتبها درويش عن تصور رومانسي للموت، حيث لا يعني الموت في نصوصه المبكرة العدم والنهاية ولكنه يعني التجدد والانبعاث؛ أي البداية: (محاولة رقم 7، ديوان محمود درويش، ج 1 ص:502)
 ثلاثة أشياء لا تنتهي: أنت، والحب، والموت
الموت مثل الحب ولادة ثانية. ولذلك كان الموت عند درويش لا يعني النهاية بل هو البداية. ومن هنا زخرت مراثيه للشهداء وأغنياته لهم بالدعوة إلى استمرار الحياة، لأن الحياة لا تتوقف بالغياب الجسدي ولكن الموت مناسبة لدفع عجلة الحياة إلى الأمام:
حبيبتي تنهض من نومها، ديوان محمود درويش، ج 1 ص:364)
 
نعيش معك 
نسير معك 
نجوع معك 
وحين تموت 
نحاول ألا نموت معك
ففوق ضريحك ينبت قمح جديد
وينزل ماء جديد
وأنت ترانا 
نسير
نسير 
نسير.
 
تكشف مراثي درويش للشهداء عن جماليات جديدة في التعامل مع فعل الموت. لقد أضافت قيماً جمالية جديدة إلى شعر الرثاء في التراث العربي؛ فدرويش لا يحصر مراثيه في تقديم التعازي وتمجيد الأعمال التي أنجزها الشهيد في حياته ولكنه يعمل على توليد أسباب الحياة من رحم الموت مما يجعل المراثي تتحول في كثير من الأحيان على قوة دفع تدعو إلى الحياة ممثلة في فعل السير بعد دفن الشهيد من أجل إكمال الطريق والوصول إلى الأفق الذي أشار إليه ورسمه بدمه: الانحياز لخط المقاومة حتى تحرير الأرض واسترجاع الكرامة. يظهر ذلك بشكل واضح في قصيدة درويش (أحمد الزعتر) التي يمكن اعتبارها رثاء جماعياً لكل الذين استشهدوا في (تل الزعتر)، حيث ينصهر في هذه القصيدة الفردي والجماعي في ملحمة الدم الفلسطيني لتنطلق الدعوة عالية إلى المقاومة باعتبارها التجسيد الحقيقي لفعل الحياة المنبثق من رحم الموت: (أعراس، ديوان محمود درويش ج 1 ص:653)       
 
فاذهب عميقاً في دمي
اذهب براعم
واذهب عميقاً في دمي
اذهب خواتم
واذهب عميقاً في دمي
اذهب سلالم
يا أحمد العربي… قاوم!
 
إن قوة الحياة تنبعث وتتولد من فعل الموت. ذلك ما يريد درويش أن يستخلصه قراؤه من مراثيه للشهداء، حيث يتحول الموت إلى قوة حركية تفعل في الأحياء وتدفعهم الحياة/ الفعل التي تتخذ في كثير من قصائد درويش الرثائية شكل السير أو المشي: (حصار لمدائح البحر ديوان محمود درويش، ج 2 ص:141)
 
صباح الخير يا ماجد
صباح الخير
قم اقرأ سورة العائد
وحث السير
إلى بلد فقدناه
بحادث سير
 
تنطوي مراثي درويش للشهداء على احتفاء واضح بالحياة المتولدة من رحم الموت ويرجع ذلك إلى أن الفلسطيني لا يملك غير دمه في مواجهة الترسانة العسكرية المتطورة لغاصبي أرضه ووطنه فلا ميلاد ولا انبعاث إلا من هذا الدم الذي يجري رقراقاً من أجل تحقيق الولادة الثانية لشعب ذخيرته الوحيدة قتلاه وجرحاه:) مديح الظل العالي، ديوان محمود درويش، ج 2 ص: 25)
 
قتلاك أو جرحاك فيك ذخيرة
فاضرب بها اضرب عدوك لا مفر
 
لا يملك الفلسطيني غير دمه يحتمي من الواقع العربي الذي يسيطر عليه التآكل والانهيار. من الدم صنع الفلسطيني أسطورته الفذة. ومن بريق هذا الدم المستباح تشكلت معجزة فلسطينية استطاعت أن تجعل من الغياب حضوراً بهياً ومن الموت حياة متجددة تقاوم النسيان. ولذلك أطلق درويش على الدم صفة (الأخضر) رمز الخصب والنماء: (أعراس، ديوان محمود درويش، ج 1 ص:653)
 
جدد أيها الأخضر صوتي.. إن في حنجرتي خارطة
الحلم وأسماء المسيح الحي
جدد أيها الأخضر موتي
إن في جثتي الأخرى فصولاً وبلاد
أيها الأخضر في هذا السواد السائد, الأخضر في بحث
المناديل عن النيل وعن مهر العروس
الأخضر في كل البساتين التي أحرقها السلطان والأخضر في كل رماد
لن أسميك انتقال الرمز من حلم إلى يوم
أسميك الدم الطائر في هذا الزمان
وأسميك انبعاث السنبله
 
إن الموت في مراثي درويش للشهداء لا يعني النهاية والغياب؛ فالشهداء يستأنفون حياتهم بعد الموت بطريقة طبيعية ويقومون بنفس الأعمال التي تعودوا على القيام بها في حياتهم السابقة: (مديح الظل العالي، ديوان محمود درويش ج 2 ص: 45)
 
بيروت …… ليلاً
يخرج الشهداء من أشجارهم، يتفقدون صغارهم
يتجولون على السواحل، يرصدون الحلم والرؤيا
يغطون السماء بفائض الألوان، يفترشون موقعهم
يسـمـون الجزيرة، يغسلون الماء، ثم يطرزون حصارنا
قططاً.. ونخلاً.
 
ويبلغ من تمجيد درويش للفعل البطولي الذي يقوم به الشهداء أن يحرص على توفير شروط الراحة لأرواحهم بعد الموت، فيقوم حارساً لنومهم ولأحلامهم: (ورد أقل، ديوان محمود درويش، ج 2 ص: 343)
 
عندما يذهب الشهداء إلى النوم أصحو 
وأحرسهم من هواة الرثاء
أقول لهم
تصبحون على وطن
من سحاب ومن شجر
 
مما يؤشر على أن فعل الموت/الاستشهاد بالنسبة إلى محمود درويش طريق سالكة إلى الخلود والحياة المتجددة باستمرار حيث يتوحد في شعر درويش فعل الموت/الشهادة بشهوة الحياة/الخلود: (الجدارية ص:37)
يا موتنا! خذنا إليك على طريقتنا، فقد نتعلم الإشراق
فالموت ليس نهاية الكائن ولكنه انتقال من حال إلى حال: (الجدارية ص:52)
 
لم يمت أحد تماماً، تلك أرواح تغير شكلها ومقامها.
 
يكشف هذا القول الشعري عن فهم رومانسي لفكرة الموت التي ترتبط في قصائد درويش بدلالات وإيحاءات عميقة تحيل إلى عوالم رمزية وتخييلية لا تنفصل عن الأبعاد المجازية البانية للأنظمة البلاغية والجمالية التي ما يفتأ درويش يؤسس لها في منجزه الشعري بصبر وأناة. فالموت كما تكشف قصائد محمود صنو التجدد وطريق الانبعاث والخلود. وقد عبر درويش عن هذه الرؤيا بكثافة شعرية شفافة في قصيدته (آه... عبدالله) الواردة في ديوانه (العصافير تموت في الجليل) الديوان الذي كرسه للاحتفاء بمواكب الشهداء الذين يولدون من رحم الموت: (العصافير تموت في الجليل، ديوان محمود درويش، ج1 ص: 260)
 
عادة، لا يخرج الموتى إلى النزهة
 لكن صديقي كان مفتوناً بها 
كل مساء يتدلى جسمه، كالغصن، من كل الشقوق
وأنا أفتح شباكي 
لكي يدخل عبدالله 
كي يجمعني بالأنبياء!.
 
إن موت الشهيد، كما يكشف هذا المقطع الشعري، ليس غياباً مطلقاً ولكنه انتقال من حال إلى حال؛ فالشهيد يخرج من قبره ويتنزه ويلتقي الشاعر ليجمعه بالأنبياء لأنه بموته يغادر منزلة البشر العاديين ليرتقي إلى مقام النبوة التي تستطيع اجتراح الخوارق والمعجزات فتنفذ من المرئي إلى اللامرئي حيث الكشوفات الروحية الخصبة فالشهيد يدخل من الشباك كالعطر والنسيم لأنه تحرر من كل القيود المادية التي تشد الروحي إلى الجسدي.
تتجاور في مراثي درويش للشهداء فجيعة الغياب وبهجة الحياة، حيث يغدو الرثاء احتفاء بالموت وتمجيداً للشهيد؛ فالفلسطيني لا يملك غير دمه، معجزته التي تجعل من ملحمة الموت ملحمة للحياة.

الكاتب  :  مصطفى الغرافي: المغرب



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 48

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة