New Page 1

     الزاوية الثقافية

New Page 1

" في حضرة الغياب " محمود درويش:

 

22/07/2012 23:47:00

 
" في حضرة الغياب "  محمود درويش:
 
يعتمد كتاب "في حضرة الغياب" لمحمود درويش، الصادر  عن "دار رياض الريس"، صفة  "نص" على غلافه، كتصنيف حيادي لمحتوى مكتوب في لغة تحاول التوفيق، شكلاً وروحاً، بين صيغتين للجملة، سردية وشعرية، تأخذ الواحدة من الأخرى وتعطيها، فيعملية تبادل تفسح في المجال للكاتب للتحرك في حرية خارج قيودٍ ما، كان ليفرضها حسمٌ تام في الخيار بين الشعر والرواية. فإذا بنا إزاء نص كان في وسعه أنْ يكون مذكرات رجل عاش ما عاش وخَبِر ما خَبِر من اكتشاف وإعادة اكتشاف لقيم ومفاهيم وأفكار، كالوطن والأرض والحرية والمنفى واللغة. كما كان يمكن أن يكون قصيدة تقول بالكثافة والتوهج أيَّاهما الأمور نفسها. إلا أنَّ شاعرنا اختار هذه المرة من الرواية صراحة السرد ومن الشعر الغموض الإيحائي، ليخرج بنص يأخذ شكل "أنا" درويشية تلقي على الأنا الأخرى، "المسجّاة في كلامها"، مرثيةَ العمر والوطن والذاكرة. في هذا الفصام الذي ستتضح معالمه شيئاً فشيئاً، حيث الأنا الراهنة المختمرة بالتجارب تتبادل الرثاء معا لأنا المتحرّكة في الزمن والمتحوّلة في الوعي، ما يشبه مراوغة الموت بالتمرّن على الرثاء، والتحايل عليه علَّه ينسى ذاك الوعد القديم بكأس من النبيذ الأحمر. مناورة، تأخذ شكل ذاتٍ تودِّع ذاتَها، توْدِعها مثواها وتهيل فوقها الذكريات، قبل أن تتلو عليها فاتحةً تناجي براءة من زمن آخر، زمن الكلمات التي تسبق المعاني. وإذا شئنا تأويلاً أكثر بساطة، لقلنا أنه وداع لمرحلةٍ وشبابٍ ونضالٍ وقصة. أو ربما ليس الأمر برمَّته سوى نزوة شاعر في استدراج ذاته إلى اللغة، أو استدراجها إليه. وللغة في كتاب درويش الأخير، الحضور القوي والتمرُّس الواثق والنَفَس الطويل الذي يمدُّ الكاتبَ بالطاقة للاسترسال والاستفاضة.
في تأبين هذه الذات المخاطَبة في غيابها، يستحيل النص لعبة فصام، بطلاها، كما سبق وذكرنا، الأنا وذاتها: "أنا المرثيُّ والرَّاثي"، يقول في شكل صريح. وذلك في مقابل اللغة والموت: الأولى كونها الوعد بحياة أخرى في "قارئ قد ينجو من سقوط نيزك على الأرض"، والثاني كموعد "أرجأتُه أكثر من مرة". وبينهما لحظة صفاء تنظر فيها الأنا في مرآة ذاتها بكثير من الهدوء الذي تمرَّست عليه بالأوجاع، لتتلو "خطبة وداع متقطعة الزمن، خالية من الشجن، مُحكمة الفوضى، ولا دمعة فيها خوفاً على الكلام من البلل". هكذا نراها تستقبل شريط الذكريات الذي يعبر كما لو لمرة أخيرة من دون مشاعر الغضب والحسرة، وتُرفقه بدعوة لا تخلو من بعض السينيكية. "لا تندم على حرب أنضجتك كما يُنضِج آبُ أكوازَ الرُّمَّان على منحدرات الجبال المنهوبة،فلا جهنم أخرى في انتظارك". وحده شعور عميق بالذات في لحظة انفصالها عن ذاتها،وصمتٌ يطرده الكلام، هذا الذي "لن يخذله غدٌ شخصي كفَّ عن الخداع، لا لأنه تأدّب وتهذّب، بل لأنه يحتضر الآن ويصير إلى خبر، لا عدوّ له ولا صديق".
"سطراً سطراًأنثركَ أمامي بكفاءةٍ لم أوتها إلا في المطالع"، يقول درويش في جملة تفتتح الكتاب وتعود في النهاية لتقفل عليه بعد أن تكون أتمت دورتها. كأننا هنا إزاء وقت مستقطعبين بدايتين ("كم مرةً نبدأ من البداية؟") واجترارٌ للوقت في انتظار مجهولٍ تعبَالشاعر من توقُّعه، يستعيد خلاله تلك الأنا الدرويشية بكل تجربتها الأدبية والحياتيةوالنضالية: "إن المستقبل منذئذٍ،/ هو ماضيكَ القادم!"، يقول مخاطباً نفسه ويغرق فيما يشبه جردة الحساب التي تنضّد الذكريات من أولى مراحل الطفولة وصولاً إلى اليوم،مسائلةً أسباب العيش وشروط الغياب، فيعيد رواية سيرته من اللحظة التي أُخرج فيهاالفتى من حقله وبقي ظلُّه هناك، ثم العودة تسللاً على "طريق صخري، وسمسار حنينٍ يقودخمسة عائدين إلى خطاهم المعاكسة"، وما سبقها من شقاوة الطفولة وتعلُّم صنع الحياةمن الكلمات، وما تخللها وتلاها من ليالي الهرب والمنافي والمطارات والفصول والسجونوالثورات وقصص الحب والشعر وكل الوقت المرهون للحكاية. لكن أيضاً بكل المدن المعترضة: القاهرة وبيروت ودمشق وباريس وفيينا وتونس، وكل الزمن الضائع "بين الخروجوالدخول": الخروج من "فضاء الأسطورة إلى وعاء الواقع الضيق". حينذاك، ستكون تلكالـ"أتيت ولم أصل، وجئت ولم أعد"، وستكون غزة وأريحا والرفاق والعائلة والدولة التيلن يصدّقها لأنها نصٌ أدبيٌّ صاغه بنفسه، بينما البلاد بديهة لا تحتاج إلى وثائق أوبراهين، فـ"فيها ما يكفيها من محاريث خشبية، وجرارٍ من فخّار، وفيها زيت يضيء وانلم تمسّه نار، وقرآن، وجدائل من فلفل وبامية، وحصان لا يحارب".
لكن هذه الجردةلا تطاول الوقائع وحدها بل المفاهيم في الدرجة الأولى كما خبِرها واختبرها: الزمن،الهاوية، السعادة، الوطن، المستحيل، الألم، النسيان، الكسل، الغد، الوداع، الصدى،الشعر، الموت، الوحي، والصمت، يروي درويش عبرها كلها تعلُّم الكلمات قبل معانيها ومدلولاتها، وكيف باكتشاف هذه الكلمات يبدأ العقل بإقامة الروابط والصلات بيناللفظة والمعنى، بين الكلمة والفكرة، بين الصورة وأبعادها. حينئذٍ، نقع في غوايةاللغة ولعبة المجاز، فمن "يكتب شيئاً يملكه": "الحروف أمامك، فخذْها من حيادها والعبْبها كالفاتح في هذيان الكون. (...) ما عليك إلاّ أنْ تسمّي بيَدِك كائناتٍ تعرفها منقبل، وكائنات تعرِّفكَ على نفسها فيما بعد". ومذّاك لن ينفك قاموس حياتنا يتضخّم بالمعاني في انتظار عبث ذاكرة مختالة كطاووس ينفخ ريشه في لحظة غواية مارقة لتخرّب "الشرط الذي يتحكم بالكلمات، كما يحدث حين تنفصل الرموز عن الواقع، والتسميات عن المسميات، والألفاظ عن معانيها: عودة، استقلال، دولة، سلام، سيادة، سجاد أحمر، وزارة، رئاسة، - كلمات تشير إلى الشيء عن بعد ولا تعبِّر عنه ولا تشبهه. كأن الهوية العطشى إلى امتلاء ما تمتلئ بأمنية ظنَّتها محققة".
يكاد نص محمود درويش هذا يقترب من الكتابة الهذيانية، حيث تتزاحم الصور والأفكار والكلمات بما يشبه طلْبةً طقسية ذات لازمة إيقاعية متكررة، يبقى صداها في القارئ حتى بعد مغادرة الكتاب. تقطع هذهاللازمة لحظات فوران أشبه بنداء استغاثة كما يحصل عندما يستحيل الكلام أصواتاًنتهجَّاها عندما نفقد القدرة على احتواء الصمت. أو كما في ساعات الاحتضار التي تسبق الموت بما يتخللها من لحظات صحو متقطعة بين غياب وغياب. لذا تبدو الكتابة كأنهاتدور دائرتها ويظل قلبها واحداً، وإن لملمتْ في تدحرجها في حقل المعاني تفاصيلَتُكسبها كلَّ مرة شكلاً جديداً بفعل تراكمها. فإذا بنا أمام أفكار تستدرج أخرىوعبارات تولد من سابقاتها، إلا أنها كلها تكاد تكون تنويعات متعددة لحال واحدة تعكسربما جموداً في الواقع وشعوراً بالمراوحة أو ما يسمّيه الكاتب "غياب كثيف الحضور".
يبدو الكاتب في استعادته الماضي البعيد والقريب، أحداثاً ومفاهيم، كأنه يريد أنْ يكتبه من جديد، لنفسه هذه المرة وعن بُعد. بُعد عن ذاته واقتراب منها فيالوقت نفسه، بحيث يبدو أنه لا يكتب إلا لها وليس لجمهور محتمل أو قارئ متوقّع،ليعيد لكلِّ ما عاشه وكتبه منحاه العاطفي الحميم الذي سرقته الثورة الفلسطينية ذاتيوم واضعةً الشاعر ضمن إطار عنوانه "شاعر الثورة"، فإذا به هنا يحاول عودة (أخيرة؟) إلى براءة ما، إلى نقاء جدير بالأزمنة الأولى لتفتّح الوعي على المعاني.
ها هو يخاطب "أناه" المسجّاةَ أمامه:
فانهضْ من هذا الأبيض
عُدْ طفلاً ثانية
علِّمْني الشعر
وعلِّمْني إيقاع البحر
وأرجِعْ للكلمات براءتها الأولى
لدني من حبة قمح، لا من جرح،لدني
وأعدْني، لأضمَّك فوق العشب، إلى ما قبل المعنى
هل تسمعُني: قبل المعنى
كان الشجر العالي يمشي معنا شجراً لا معنى
والقمر العاريْ يحبو معنا
قمراً
لا طبقاً فضِّياً للمعنى
عدْ طفلاً ثانيةً
علِّمْني الشعر
وعلِّمني إيقاع البحر
وخذْ بيَدي
 نتعلّمْ أولى الكلمات
ونبني عشاً سرياً للدوري
أخينا الثالث
عدْ طفلاً لأرى وجهيَ في مرآتك
هل أنتَ أنا
وأنا أنتَ؟
فعلّمْني الشعر لكي أرثيكَ الآن الآن الآن
كما ترثيني
من هنا، ورغم ما يبدر من حيث الشكل من نهاية تأبينية مقفلة على ذاتها، يبدو "نص" درويش كما لو كان فاقداً كل رغبة في الوصول إلى مكان ما، وكأن بقية الكتاب هي بقية الحياة التي يحتفظ منها بـ"المقطع الأخير"، وربما يواصل كتابتها الآن في هذه اللحظة بالذات من على الضفة المقابلة للطفولة المستعادة، على طاولة ما،في غرفة أو في مكتب أو في مقهى (مع أنه لا يحب المقاهي)، فيما تستعيد الكلمات فوق أوراقه معانيها الأولى.
 
النهار



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 17

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة