New Page 1

     الزاوية الثقافية

New Page 1

د. محمد خليل / محمود درويش مقالات وحوارات

 

13/07/2012 01:35:00


صدر عن (دار الهدى للطباعة والنشر كريم2001) كتاب "محمود درويش- مقالات وحوارات 1961- 1970" جمعه وقدم له الدكتور محمد خليل من بلدة طرعان..
جاء في 273 صفحة من القطع الكبير، وضم خمسة وثلاثين مقالا وحوارا، يقول خليل إن بعضها قد لا يكون معروفا لبعض القراء، وان درويش كان نشرها مع بدئه في انطلاقته الشعرية في مجلات:" الجديد" حيفا،" زو هديرخ" تل أبيب،و" الآداب" بيروت، حينما كان يعمل في مجلة الجديد كاتبا أو رئيسا لتحريرها، أي قبلهجرته قسرا(!!) من الوطن عام 1970
تبرزبين هذه المقالات مقالة درويش المشهورة" انقذونا من هذا الحب القاسي"، التي طالبفيها درويش النقاد العرب في الخارج، بالتعامل مع ما أنتجه شعراؤنا وكتابنا في تلك الفترة، بموضوعية وبدون مشاعر من الحب القاسي، أي ذاك الحب الذي يعمل وفق القول الشعري المعروف" وعين الرضا عن كل عيب كليلة".
في الكتاب إضافة إلى اثنين وثلاثين مقالة كتبها درويش في الفترة المشار إليها في عنوان الكتاب، ثلاثة حوارات صحفية أجراها أصحابها، وبينهم الكاتب اللبناني محمود دكروب،مع درويش، ونشروها في مجلات " الجديد" الحيفاوية، وفي مجلتي "الآداب" و "لطريق"اللبنانيتين.
يقول عنهذه الحوارات انه ارتأى ضمها إلى مجموعة المقالات، للعلاقة ذاتها التي تجمعها معهاوتربطها بها، وبالأخص لما فيها من تجانس يتوافق مع سائر المقالات التي يضمهاالكتاب.
يقول صاحب الكتاب في تقديمه له، انه ارتأى ان يسيرفي كتابه على نهج الأستاذ يوسف بكار وهدي خطاه، في مؤلفه الموسوم "حوارات إحسانعباس"، ويهديه إلى روح فقيد أسرته الغالي "عنان ياسر خليل 1989- 2009".
هذا هوالكتاب العاشر لصاحبه. كتبه السابقة دارت حول النقد الادبي والتاريخ لبلدته طرعان والكتابة للأطفال .
 
محمود درويش
مقالات وحوارات 1961-1970

المـقـدمـة
هـذا الكتـاب
1
تشكل مقالات الكتاب وحواراته ، وجهاً إبداعياً ناصعاً من وجوه إبداعات الراحل محمود درويش 13/3/1941-9/8/2008 النثرية ، قد لا يكون أكثرها معروفاً عند بعضهم . كان المرحوم قد كتبها ونشرها ، مع بدء انطلاقته الشعرية الأولى في مجلات : الجديد (حيفا) و زو هديرخ ( ) (تل أبيب) والآداب (بيروت) ، حين كان يعمل في مجلة الجديدكاتباً أو رئيساً للتحرير ، أي قبل هجرته القسرية من الوطن في العام 1970 ، في حقبةكانت تعج بالتحولات والصراعات والتفاعلات إيذاناً بحراك أو نهوض أدبي ثقافي عام .من هذا المنظور ، فإن هذه المقالات والحوارات يُمكن أن تعد وثائق أدبية وفكريةثقافية بامتياز ، فضلاً عن كونها مرآة حقيقية تعكس ، بصدق ، حرارة تجربة الشاعر وقدامتزجت بحياته الشخصية
يُذكر أنه بعد أن أمعنت سلطات الحكم العسكري الجائر، في تشديد الخناق على الشاعر ، وما تفننت به من صنوف التضييق والملاحقة وتقييدحريته في الكتابة والحركة ، بما في ذلك السجن التعسفي إلى فرض الإقامة الجبرية ، مايعني منعه من مغادرة منزله من غروب الشمس إلى شروقها ، وأن يثبت وجوده في مركزالشرطة في الساعة الرابعة من بعد ظهر كل يوم . وفي هذا يقول الراحل : ((الكثيرون منأصدقائي يتألمون من أجلي . هذه الملاحقات.. الاعتقالات وأوامر الإقامة الجبرية التيتحدد حرية تجولي في وطني ، أصبحت جزءاً من حياتي اليومية ولكنني أنظر إليهاباستهتار يكاد يكون خبيثاً . لست متوتراً ولست مندهشاً . أجلس في غرفتي كل مساء ،ويطربني أن أرتبط بالشمس ، لأني أُمنع من مغادرة البيت بعد غروب الشمس . منحونيشرفاً كبيراً عندما ربطوا خطواتي بالشمس . أجلس في الغرفة أقرأ ، أسمع موسيقى ،وأنتظر البوليس . وفي الساعة الرابعة بعد كل يوم أثبت وجودي في محطة الشرطة بابتسامة حقيقية غير لئيمة دائماً)) ! مرة أخرى ، يقول درويش عن سجنه ((وما يسمى هنا بالمساواة بين السجناء يقنعك بإمكانية فقدان بعض التعابير معانيها الأصيلة..هنا ينام في غرفة واحدة وعلى سرير واحد.. ويربط بسلسلة حديدية واحدة : القاتلوالسارق واللوطي والسياسي والشاعر)) ! 
آنذاك قرر درويش ، نهائياً ،بعد أن استقر في روعه استحالة استمراره على تلك الحال ، أن يغادر البلاد ، مفضّلاًالابتعاد عن وطنه وأهله ومحبيه ، على تلك الحياة التي لم تعد تطاق ( ) !
2
عدد هذه المقالات والحوارات خمسة وثلاثون ، أول المقالات ((رأي.. في شعرنا)) (آب/أغسطس ، 1961) ، وآخرها ((واقع الكاتب العربي في إسرائيل)) (كانون أول/ ديسمبر ، 1970) .أما الحوارات الصحفية التي أجريت مع درويش فثلاثة ارتأيت من الأهمية والضرورة ضمهاإلى المجموعة ، للعلاقة ذاتها التي تجمعها معها وتربطها بها ، وبالأخص لما فيها منتجانس يتوافق مع سائر المقالات ، ولتحقيق أكبر قدر ممكن من الفائدة المرجوة . الأول ((مع الشاعر محمود درويش : حياتي وقضيتي وشعري)) (الجديد ، العدد 3 ، 1969) كانأجراه معه الأديب اللبناني محمد دكروب ونشره في المجلة اللبنانية (الطريق ، كانونأول ، 1968) والثاني ((حديث صحفي مع محمود درويش)) (الجديد ، العدد 11 ، 1969)والأخير ((مقابلة أدبية مع محمود درويش)) (الآداب ، العدد 9 ، 1970) . ومما فيها ،تسليط مزيد من الأضواء على بعض القضايا والإشكاليات التي كان المرحوم عرض لها فيمناسبات سابقة
لقد جمعتها جميعاً من مظانها الأصلية ، وأبقيت علىترتيبها الزمني كما ورد في الأصل . وقد يكون ثمة مقالات أخرى لم أتمكن من الحصولعليها أو الاهتداء إليها وهو ما يدفعني إلى مناشدة كل من لديه مقال أو حوار من تلكالمرحلة تحديداً ، أن يتفضل ، مشكوراً ، فيزودني به ، أو يدلني عليه لكي يكتمل عِقدهذه المقالات وتكون فائدتها أشمل وأكمل
لقد كان في موت الراحل مفاجأةكبرى وفاجعة أكبر لنا جميعاً ، لما تركه من خسارة وفقد وفراغ ، لاسيما في كرسيالأدب والشعر منه تحديداً . ومن هذا المنطلق كان الدافع الرئيس والمباشر ، إلى جمعهذه المقالات والحوارات وإصدارها في كتاب مستقل يليق بقامة الفقيد الإنسان أولاًوالمبدع ثانياً ، وهو أقل ما يمكن أن يُقدم لذكرى روحه الخالدة . وفي الوقت ذاته ،لجعلها في متناول يد كل مهتم بهذه الظاهرة الدرويشية
وإذاكان الشاعر برحيله عنا قد فاجأنا جميعاً ، فإنه لم يكن مفاجئاً بالنسبة له هو !فيبدو أنه كان على موعد مع الموت وفي انتظاره ، وهو ما يستوقفنا ويثير فينا الدهشةحقاً ! يقول في قصيدته الأخيرة ((لاعب النرد)) قبيل رحيله
((
فيالساحة المنشدون 
يشدُّونأوتار آلاتهم
لنشيد الوداع)) !
وقد تكرر المشهد ذاته مع الفقيد من قبل أيضاً ، حين بدأ يستشعر في أعماقه أن داعيالرحيل مقبل نحوه ، أو أنه يحث الخطى تجاهه ويناديه ! ها هو ينشد في المقطع الأخيرمن قصيدته ((جدارية)) :
((
أما أنا - وقد
امتلأتُ بكل أسباب الرحيل -
فلست لي .
أنا لست لي
أنا لست لي ؟))

3
المقالات مهمة وثريّة ، كتبها محمود على مدار عقد زمني تقريباً ، قبل مغادرته أرض الوطن العام 1970 ، في مرحلة من أهم وأدق المراحل التي مر بها في حياته ، هو وسائر أبناءالشعب العربي الفلسطيني ، وبضمنهم البقية الباقية في أرض الوطن . مرحلة ، كانت تعدفيها القضية الفلسطينية قضية العرب المركزية . لهذا ، تُشكل هذه المقالات والحواراتجميعاً مصدراً ثرّاً ، ومنهلاً عذباً ومرجعاً مهماً ، يصعب على كل قارئ ودارس ،باحث أو مهتم بالفقيد أن يتجاوزه ، لاسيما من ينوي إعداد دراسة ضافية وافية ، عنحياة الشاعر ، بشقيها الأدبي والإنساني من تلك المرحلة المبكرة لسيرة حياته الشخصيةوالإبداعية .
يُلمح الشاعر ، في المقالات والحوارات ، إلى طفولتهالمعذبة ، وقد كانت مأساة مثناة كما يصفها في قوله ((إن طفولتي هي بداية مأساتيالخاصة التي ولدت مع بداية مأساة شعب كامل . لقد وُضعت هذه الطفولة في النار ، فيالخيمة ، في المنفى ، مرة واحدة وبلا مبرر تتمكن من استيعابه)) ! وفي قوله ((ومن هنا أيضاً أستطيع أن أحدّد منبع حساسيتي الشديدة تُجاه العدوان ، فإن طفولتيكانت ضحية عدوان . وأجد الآن ، خلال هذه المراجعة ، أن الطفولة لم تكن تعني مرحلةمن مراحل حياتي وإنما كانت وطني . وفي وطن الطفولة كنت أشعر بالمراحل : الحرمان ،الخوف طرح الأسئلة ، العزلة ، التأمل ، ثم الغضب على شيئين : على الواقع الجديدوعلى الذين احتلوا طفولتي – وطني ، وقادوني إلى هذا الواقع)) !
كماتتضمن المقالات والحوارات موضوعات وظواهر ودراسات ، وفيها آراء ومواقف للشاعر تنم على نقد أدبي تقدمي متقدم ، وكشف لرؤاه وأسلوبه وفكره بشأن بعض القضايا الأدبيةوالثقافية والاجتماعية ؛ التي تلامس همومه الفردية والجمعية على حد سواء . لقد حملعلى عاتقه حزنه وحزن أبناء شعبه معاً . يقول ((فعندما يشكو الشاعر لا توجع شكواهقلبه فقط ، لأنها ليست ألم قلبه هو إلا لأن قلبه مرصد أحزاننا جميعاً..)) !
يتجلّى من المقالات والحوارات أن محموداً كان رائداً في ما كتب ، وصريحاًجريئاً في مواقفه وآرائه . كان سبّاقاً في التنبّه ، منذ وقت مبكر ، على قضاياوإشكاليات متعددة ، وهو مدرك بوعيه الثاقب وبصيرته الحادة ، ما لها من الأهميةوالحيوية . لا غرو ، إذاً ، أنها ما زالت كتابات مفصلية راسخة يعوّل عليها في كلكتابة بحثية أو دراسة للأدب الفلسطيني ، لاسيما في الشعر والنقد الأدبي . ولا بد منالتأكيد أن أهميتها لا تكمن في قيمتها الأدبية فحسب ، إنما في قيمتها المعنوية أيضاً ناهيك بسياقها الزمكاني الذي أفرزها وظللها .
وهي تلقي ، كذلك ، أضواء ساطعة على بعض القضايا الأدبية المهمة ، كما المقال الأول ((رأي في شعرنا-1)) ، والمقال الثاني ((رأي في شعرنا-2)) ، والمقال الثامن ((في الشعر)) ، والمقال الخامس والعشرون ((محاولة لوضع حركتنا الشعرية في مكانها الصحيح : أنقذونا من هذا الحب القاسي)) !
ومن الإشكاليات التي تعرض لهاالحوارات ، وهو ما يُمكن أن يستوقف القارئ بنحو خاص ، العلاقة بين الشاعر والقرّاء، كما يشير درويش في كلامه إلى مُحاوره ((إنها تعكس حاجة القرّاء إلى الإحساس بأنهممسؤولون عن شعرائهم وبأن هؤلاء الشعراء خاضعون لمراقبتهم الصارمة . دعنا نعتبرالأمر – في آخر المطاف – علامة عافية ودليلاً على العروة الوثقى بين مبدع الكلمةومتلقيها)) . 
وحين بالغ بعض المراقبين أو النقاد العرب في مدحالشعر الصادر عن شعراء فلسطين-48 ، كانت له وقفة جريئة إذ أطلق صرخته المدوية في ((محاولة لوضع حركتنا الشعرية في مكانها الصحيح : أنقذونا من هذا الحب القاسي)) !التي ما زالت أصداؤها تتردد إلى الآن ، بغية تطوير كل ما هو أصيل وجميل وقمينبالحياة
أما عن علاقته بناشري كتبه دون استئذان فيقول ((لستمتحمساً للطريقة التي تنشر فيها كتبي في بيروت . إني أسمع عن صدور كتب لم أصدرها .لماذا ؟ لم أمت بعد عندما أموت افعلوا بي ما تشاؤون ! ولكن الآن دعوني أعمل علىمهلي ! دعوني أكتب في الظل ، واتركوا لي أن أقرر متى أخرج إلى الضوء..! ومع ذلكأريد أن أشكر الناشرين الذين يهتمون بأعمالي ولكنه شكر مشوب بالعتاب الودي)) ! ثمة مقالات فيها مراجعات أدبية لبعض الكتب ، من مثل ((ثلاثة دواوين من الشعر الحديث))توقف فيها عند دواوين لكل من سلمى الخضراء الجيوسي ، وأحمد عبد المعطي حجازي ،وفدوى طوقان ، ومن مثل ((كتاب من بيروت : قضايا الشعر المعاصر)) للشاعرة العراقيةنازك الملائكة . وهنالك وقفات أخرى عند بعض الشعراء وأشعارهم من عرب وفلسطينيينوأجانب ، مثل ((حبر على ورق : بدر شاكر السياب)) ، وسميح القاسم في ((حبر على ورق :على هامش أغاني الدروب)) و ((ناظم حكمت النشيد الخالد)) .
وفيكلامه على السياب ، يقول ((بدر شاكر السياب ، الشاعر العراقي الموهوب التقيت بشعرهمنذ فتحت عيني على الشعر ، فماذا رأيت ؟
رأيت العراق الغاضب.. العراق الحاقد.. العراق الذي يتربص ليكسر القمقم.. وينطلق ! ورأيتكيف يتزحزح هذا المارد السجين ، فيجرح في الطرقات ويلون دمه دجلةوالفرات)) !
ويقول عن الطريق الذي سلكه أو ما مدى تأثره بشعراءآخرين : ((وأنا أعتبر نفسي امتداداً نحيلاً ، بملامح فلسطينية ، لتراث شعراءالاحتجاج والمقاومة ، الذين هضمت تجاربهم في الشعر والحياة ، وأمدوني بوقود معنويضخم)) . ويقول : ((ولكن هذا الشعر الجديد الذي كنا نقرأه في الاتحاد والجديدللشرقاوي ، والبياتي والبغدادي ، وبسيسو ، والسياب وغيرهم ، يشعرنا بعلاقة أقرب ويلهبنا بالحرارة لصلته المباشرة بالواقع ، فأخذني هذا الشعر إلى أولالطريق)) .
وكانت له وقفات مع أدباء عالميين وسياسيين مشهورين، من مثل : سوفوكليس وغوركي ، ولينين وآخرين .
ويرى درويش أن كل أدب إنما هومرآة تعكس الواقع الاجتماعي الذي أنتجه ((كل مجتمع موزع نهب تناقضات طبقية ، أوراسف تحت الظلم الاجتماعي والسياسي لا بد من أن ينتج فيه نوعان من الأدب.. أدب يصونواقع وأماني الطبقة الشعبية التي تبني الحياة ولا تنال جزاء ، وأدب يصون واقع الطبقة الأخرى وما يتفرع منها 
من ذيول وأطراف مباشرة وغير مباشرة..)) .
وفي المقالات والحوارات إشاراتجميلة ، إلى من يكنّ لهم مودة ووفاء وعرفاناً بالجميل ، كقوله ((ولا أزال حتى اليوممديناً لبعضهم – ومن بينهم معلم شيوعي هو نمر مرقس – قاموا بتوجيهي وساعدوا خطواتيالأولى في الشعر)) .
وبسمو يستحق التقدير ، لا يفوته أن يسجّل محبتهلمعلمته التي احتضنته ورعته أثناء دراسته في مدرسة كفر ياسيف الثانوية لقوله ((هناكالتقيت بشخصية يهودية أخرى تختلف تمام الاختلاف ، هي المعلمة شوشنة التي لا أملُّالحديث عنها . لم تكن معلمة ، كانت أُماً . لقد أنقذتني من جحيم الكراهية . كانت –بالنسبة لي – رمزاً للخدمة المخلصة التي يقدمها يهودي طيب لشعبه . لقد علمتني شوشنة أن أفهم التوراة كعمل أدبي ، وعلمتني دراسة بياليك ، بعيداً عن التحمس لانتمائه السياسي وإنما لحرارته الشعرية)) .
أليست هذه المقالات والحواراتجديرة بالقراءة والتوقف عندها ، بغية دراستها وفهمها بشكل معمق ، وأن يطّلع عليهاأبناء شعبنا وأمتنا والقرّاء كافة في مختلف الأقطار العربية والعالمية على حد سواء؟
4
وقد يكون في النماذج المختارة الآتية ، على الرغم من صعوبة التحديد والاختيار مما أورده الشاعر الراحل في المقالات والحوارات ، ما يؤكد أهميتها الخاصةوحيويتها :
• ((...
فالفنان الأصيل يقاس بمقياسين – حسب رأيي – أولاً..مدى تعرّفه على 
ذاته..واستقلاله بها.. وثانياً.. بمدى معرفته للحياة.. ولكن الخطر ناجم من الذات الأنانيةالتي لا تخرج من إطارها المحدود الضيق.. ولا تلتقي مع الذوات الإنسانية الأخرىالمحيطة بها.. وناظم حكمت.. الشاعر الكبير.. قال : الشاعر الأصيل هو الذي تمتزجتجربته الشعرية بحياته ذاتها..)) (المقال الأول) .
• ((
ولكن الواقع المؤسف كان .. أن سلكنا أسهل الطرق .. وهبطنا بحماسفاق 
حماسهلنرضيه.. ولنشتري تصفيقه على حساب الفن الذي ضاع من أكثر شعرنا.. وقد وجد هذا الخطرتربة خصبة في المهرجانات الشعرية الكثيرة.. والتي بقدر ما نعترف بفائدتها بإيقاظالوعي السياسي عند شعبنا.. وتذكيره دائماً بواقعه المر.. وفتح عيونه على جراحهوقيوده.. وشد خطواته من جديد على درب الكفاح.. بقدر هذا نخاف على القيمة الفنية فيالشعر.. نحن لا ننكر اعتزازنا بالتمازج والتقارب الأخوي الكبير بين الشعراءوشعبهم.. ولكننا نأسف لتحول شعره إلى شعارات لا فارق بينها وبين الخطب السياسية إلاالأوزان..)) (المقال الأول) .
• ((
وحين نتحدث عن الأدب وخاصة عن الشعر، لا نستطيع بسهولة أن نفصل بين ما يسمى مضموناً وما يسمى شكلاً مع أن هذا الأمرليس مستحيلاً. ولكن هذا
لا يعني أن القصيدة تستطيع أن تنجح وتؤدي رسالتهاالإنسانية والفنية إذا اغتنى مضمونها ، وحمل أفكاراَ رائعة هذا لا يكفي ، لأن الشعر، كما قلنا ونقول دائماً رسالة وفن.. الرسالة في المضمون ، والفن يكمن في الشكل..وبمقدار ما يكون الشكل ملتحماً مع المضمون تدنو القصيدة من المعنى الصادق القريبللشعر الرائع..)) (المقال الثاني) .
• ((
الفرق بين الشعر القديم والحديث هوباختصار.. أن الشعر القديم فكرة.. والشعر الحديث صورة وإحساس.. هذا في الشكل.. وفيالمضمون ، أصبح الشاعر إنساناً بعد أن كان مغنياً أو واعظاً أو فارساً..)) (المقالالثالث) .
• ((
إن طريقاً واحداً مفتوحاً أمام الحكومة لإسكات هذاالشعر الصادق المخلص لآلام الجماهير وأمانيها ، الذي تعتبره خطراًعليها
الطريق هو منح العرب كل حقوقهم بدون تمييز وتجزئة !ومعاملتهم كمواطنين.. لا رعايا ! أما أن تخاطبهم بلغة السيف ، فلن يزيدهم هذا إلاشحذ أسلحتهم – ومنها الأدب–دروعاً يتحطم عليها هذا السيف الخشبي المصنوع منالأكاذيب والافتراءات الفاشلة !)) (المقال الخامس) .
• ((
نود أن نعلم شبيرا وكل زمرته ، أننا نؤمن بالتعاون والتقارب ، بينشعبي 
البلادوكل الشعوب ، ولكن ، ليس بالطريقة التي يفهمها هو .. ليس بالتنكر لحق شعب ، وبناءمصير شعب على أطلال الآخر.. 
وأخيراً.. عليك رحمتنا ونقمتنا !)) (المقالالخامس) .
• ((
والسلاح الثاني... اسمه الإرهاب ، وهو موجه إلىالمعلمين ، لكي لا يتسرب النور منهم إلى طلابهم.. ووضع المعلمين تحت ميكروسكوبيرصده ثلاثة خبراء.. اسم الخبير الأول : إدارة المعارف ، والثاني : الحكم العسكريوالثالث : جهاز الشين بيت)) (المقال السابع) .
• ((
إن الموسيقى التي تصدر عنالوزن والألفاظ والقوافي ، هي العمود الفقري 
للشعر.. فلا حياة ووجود له بدونها . تماماً كجدولالضرب في الرياضيات وكالنوتة في الموسيقى ، وكل قطع صلة بالقديم باسم التجديد هوخيانة للشعر لأن الشعر الحديث هو الابن الشرعي للشعر القديم . ولذلك فقطع كلالشرايين التي تربط الابن بالأب ليس من التجديد في شيء ، فالتجديد يعني فهم الضرورةله ، وهذه الضرورة لا يمكن فهمها ما لم نفهم القديم الذي يثور عليه البعض . وهذا هوالواقع الحزين لكثيرين من الشعراء المعاصرين..)) (المقال التاسع) .
• ((
ومن هنا ، إنا ما جئنا لنبكي ! لأن كل نواحات العرب لن تروي غليلاً ولنتطفئ أوار ما اشتعل في أرض الرافدين الخالدين !
في العراق ثلاثة :
دجله والفرات.. والرفاق .
فهل تقضي على هذه الحقائق الباقية هذه الثيرانالبرية المنفلتة من عقالها في غفلة من الشعب ؟!
أنهارالعراق.. صارت ثلاثة يا رفاق :
دجلة ، والفرات ،والدم .
وكما خلد دجلة ، والفرات ، سيخلد نهرالدم !
وكما اكتسح دجلة والفرات – توأما الزمان والأبد –كل الطغاة الذين مروا على العراق ، سيكتسح نهر الدم هذا الطراز ((العربي)) منالفاشستية يا رفاقي !)) (المقال 
الثالثعشر) .
• ((
وبدر شاكر السياب ، من الشعراء الرواد الأوائلالذين استعانوا بالأسطورة 
استعانةكبيرة ، فجلبت له من الخير الفني التعبيري الناجح أكثر مما جلبت لسواه من الذينأغرقتهم حين أغراهم التقليد . واستند ، بالأساس ، إلى الأسطورة اليونانية والبابلية، وصليب المسيح ، وكل أسطورة ترمز إلى الحزن الذي كان زاده الشعري الدائم . لقد كانكالمسافر الضائع الذي يلهيه الغناء عن وعثاء السفر)) (المقال السادسعشر) . 
• ((
إن الحقوق الفريدة التي تتمتع بها الأقلية العربيةفي إسرائيل كذبة فظة لا تستساغ . يكفي أن نذكر الحكم العسكري في النصف الثاني منالقرن العشرين . وسرقة الأرض العربية ، والتمييز القومي..!)) (المقال السادسعشر) .
• ((
ولكن ، عندما لا تتوقع علاقة أخرى ممن لا يؤمنبإمكانية بقائه إلا على انتهاء وجودك.. وعندما لا تتوقع من الذئب إلا الافتراس..وعندما تدرك أن عدوك هو قبل كل شيء عدو نفسه.. لأنه عدو الحياة ، عندئذٍ ينقلب أملانتصاره عليك إلى خيبة ، ويتحول سجنك إلى ((دير)) تصلي فيه للحرية صلاة لا كلفةفيها ولا تحفظ ولا مواربة وكأنك تحترفها . ويتحول حبك للوطن إلى نوع جديد منالصوفية لأن فيها الخضوع والقوة والتواضع والكبرياء)) (المقال الحاديوالعشرون) .
• ((
أستطيع الآن أن أسجل أن محبتي للقمر ولدت في يومواضح في الذاكرة.. وساعة واضحة . عندما فتح السجان باب زنزانتي.. كان أول ما رأيت..القمر يرسل لي بسمات مشاركة في الوحدة أكثر من بسمات الغباء . كان كمن يزف إليَّبشرى بقاء الجمال جميلاً ، لم يحدث شيء ، نحن في انتظارك ! هكذا قالت لي حروفهالفضية !)) (المقال الحادي والعشرون) .
• ((
إن أهمية شعرنا الموضوعية تكمن فيالتحام هذا الشعر بكل ذرة من تراب 
أرضنا الغالية.. بصخورها ووديانها وجبالهاوأطلالها.. وإنسانها الذي يظل مرفوع الرأس رغم ما ينوء به كتفاه من أعباء ، ومايشدّ يديه وإرادته من قيود.. 
إنسانها الذي قاوم ، ولا يزال يقاوم الظلم ،والاضطهاد ، ومحاولات طمس الكيان 
والكرامةالقومية والإنسانية وكأني به يقول : ((اللهم لا أسألك حملاً خفيفاً.. بل أسألكظهراً قوياً)) . ثقيلة هي الأحمال.. ، وقوية هي الظهور)) (المقال الخامسوالعشرون ) . 
• ((
وإذا كان من الجائز تسجيل ملاحظة هامشية في مجرىحديثنا عن ميزة الصدق في حركتنا الشعرية ، فإننا لا نظلم أحداً إذا لاحظنا أنالمبالغة في تقدير شعرنا ، قد أدت إلى أن يقوم بعض شعرائنا الناشئين بعملية تصميمقصائدهم وفقاً لمقاييس غريبة عن الصدق ، وكأنهم يستوحون قصائدهم من تصورهم لكيفيةاستقبال تلك الإذاعة لها)) ! (المقال السادس والعشرون) .
• ((
نحن لم نبحث عنه.. عن هذا الوطن في حلم أسطوري وخيال بعيد ، ولا في صفحةجميلة من كتاب قديم . نحن لم نصنع هذا الوطن كما تصنع المؤسسات والمنشآت . هو الذيصنعنا . هو أبونا وأمنا . ونحن لم نقف أمام الاختيار . لم نشترِ هذا الوطن في حانوتأو وكالة ؛ ونحن لا نتباهى ، ولم يقنعنا أحد بحبه . لقد وجدنا أنفسنا نبضاً في دمهولحمه ونخاعاً في عظمه . وهو ، لهذا ، لنا ونحن 
له)) (المقال التاسع والعشرون) !.
• ((
إننا نؤمن بإمكانية أن يعيش العرب واليهود معاً ، فالتاريخ العربي لم يعرفالعداء لليهود . ولكن لماذا لم تتحقق هذه الإمكانية ؟ لأن الصهيونية – بمساندةالإمبريالية – هي التي تريد فلسطين بدون عرب ؛ وهي لا تعترف ، حتى 
مجرد اعتراف شكلي بوجود الشعب العربي الفلسطيني)) (المقال الثاني والثلاثون) .
• ((
ولكنّ ((آخر الليل)) الذي أعتبرهأفضل ما كتبت ، استقبل بفتور علني من أغلبية القراء في بلادنا . قال لي عشرات منالمثقفين : ((يا محمود ! عد إلى الوراء . إذا كان هذا هو التقدم الفني فليتك لمتتقدم)) . وقيل لي ، بشفقة : ليتك لم ترحل عن القرية.. هذا الشعر غير مفهوم !.ومجمل رأي القطاع الأوسع من القراء هو أن هذا الديوان يمثّل بداية سقوطي)) (الحوارالأول) .
• ((
بودي القول : إن مهرجانات الشعر العربي في إسرائيل، قد تحولت ، ذات 
مرة ، إلىاحتفالات شعبية ينتظر الناس مواسمها . وأنا أذكر تلك الفترة بفرح حقيقي . كانت ساحةالقرية أو المدينة أو دار السينما تزدحم بالناس من جميع الفئات والأعمار للاستماعإلى الشعر بحيوية وتجاوب واضح ، حتى ضاقت السلطات ذرعاً بهذه الظاهرة ((الخطرة))وقاومتها بمختلف الوسائل . ولجأت أخيراً 
إلى منع الشعراء من الانتقال من أمكنة سكناهم)) (الحوار الأول) .
• ((
عندما بلغت السابعة ، توقفت ألعاب الطفولة . وإنيأذكر كيف حدث ذلك.. أذكر ذلك تماماً : في إحدى ليالي الصيف ، التي اعتاد فيهاالقرويون أن يناموا على سطوح المنازل ، أيقظتني أمي من نومي فجأة ، فوجدت نفسي معمئات سكان القرية أعدو في الغابة . كان الرصاص يتطاير من على رؤوسنا ، ولم أفهمشيئاً مما يجري . بعد ليلة من التشرد والهروب وصلت مع أحد أقاربي الضائعين في كلالجهات ، إلى قرية غريبة ذات أطفال آخرين . تساءلت بسذاجة : أين أنا ؟ وسمعت للمرةالأولى كلمة لبنان)) (الحوار الثاني) .
• ((
من هنا ، نخلص إلى التقدير بأن شعرالفترة الأولى بدلاً من أن يكون إنقاذاً للأمل الذي تعرض للاغتيال ، كان شعر يأس .وبدلاً من أن يكون شعر مقاومة.. مقاومة للهزيمة وأسبابها وقواها كان شعر هزيمة ،وبدلاً من أن يكون شعر صمود وإصرار على التمسك بأسباب التحدي التي دفعت الإمبرياليةإلى التحرك لضرب آفاق تطور حركة التحرر العربية كان شعر استسلام ، ولم يسهم فيتفجير قوى المقاومة والطاقات القادرة على الصمود)) (الحوار الثالث) .
• ((
إنالرمز هو الذي يخلق مثل هذا الانطباع الأوليّ ، فالقصيدة الحديثة لا تستسلم للقارئمن أول لقاء . كان القاموس قادراً – إلى حدٍّ بعيد – على فكّ أسرار وأزرار القصيدةالقديمة ، أما القصيدة الحديثة فهي أكثر تعقيداً وتركيباً وتشكيلاً نتيجة تعقدالحياة نفسها . الحياة المعاصرة لا تسمح لنا بأخذ أي مظهر من مظاهرها بكل بساطةوسذاجة . والتناقضات صارت أكثر انفجاراً وتداخلاً)) (الحوار الثالث) .
• ((
ومن أين يبدأ العالم ؟ ! إنه يبدأ من بيتي . وكانت علاقتي الأولى ،بالعالم 
عدائية ،لأني أنتمي إلى بيت يحوي أهلاً . لا بيت الآن ولا أهل ! شعب كامل يعيش بلا وطن فيهذا العالم الذي يجعل القمر وطناً آخر ! كيف أحاور الحقيقة.. وما هي الحقيقة ؟العالم يطلب من الضحية البرهنة على أنها ليست القاتل، والقاتل الحقيقي يتظاهربالبكاء . والقضاة ؟ من هم القضاة المخوّلون بإصدار الحكم ؟. دم على كل الطرقات وفيكل الحدائق.. وعلى مرايا العالم ، والحقيقة تأخذ شكل المذبحة ، والضحية مطالبةبإثبات براءتها ولا قاضٍ إلا الموت)) (الحوار الثالث).
5
ولا بدمن الإشارة : إلى أنني ، في هذا الكتاب ، اخترت أن أسير على نهج الأستاذ الدكتوريوسف بكار وهدي خطاه ، في مؤلفه الموسوم ((حوارات إحسان عباس)) ( ) مستذكراً ، فيالوقت نفسه ، الحريري (446-516هـ) صاحب المقامات المعروف ، وقوله المأثور في قدوتهبديع الزمان الهمذاني (358-398هـ) وهو يقتفي إثره في ما اشتهر به من جنس أدبي هوالمقامات : ((لم يدرك الظالع شأو الضليع)) ! فجزاه الله عني خير الجزاء .
أخيراً، سلام على روح الفقيد الطاهرة ، رحمه الله رحمة واسعة ، وتغمده في رضوانه ، وأسكن هفسيح جناته ، وألهم شعبه وأهله ومحبيه جميل الصبر ، وحسن العزاء ، وإلى الله مرجعنا جميعاً .
 
 
 
 

 



  أضف تعليق

الاسم
الدولة/ العنوان
التعليق
رمز التحقق
تغيير الصورة
   

  تعليقات من الزائرين

 
 
 
 

محمود درويش وتناغميّة الاغتراب والكشف ـــ غالية خوجة

03/09/2016 17:32:00


أنقذونا من هذا الحب القاسي

05/03/2016 09:01:00


حسن الغرفي والتشكيل الإيقاعي في شعر محمود درويش / إبراهيم خليل

05/03/2016 08:56:00


«أندلس الحب»… ألبوم جديد لمارسيل خليفة في ذكرى ميلاد محمود درويش

05/03/2016 08:52:00


محمود درويش: في حضرة غيابه

05/03/2016 08:48:00


محمود درويش والمتنبي- بقلم عادل الأسطة

04/03/2016 22:37:00


انتظرني أيها الموت ريثما أنهي حديثاً عابراً مع ما تبقّى من حياتي- يوسف حاتم

08/01/2016 01:04:00


جدل الشعر والسياسة / د. إبراهيم خليل

17/11/2015 15:59:00


في رثاء لاعب النرد- سامية العطعوط

16/11/2015 15:33:00


محمود درويش في متاهة اللّوز/ نزيه أبو عفش

15/11/2015 14:45:00


بحث في الموقع

عدد المتصفحين الآن 152

ART تصميم وبناء
جميع الحقوق محفوظة للمؤسسة